اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١١ أيلول ٢٠٢٦
أ.د. عبد الله محمد الشعلان*
في خطوة تؤكد دور المملكة الريادي في صناعة حلول الاستدامة البيئية وتعزيز الأمن المائي، اعتمد مجلس الوزراء الموقر خلال جلسته المنعقدة في 28 يوليو 2026 تسمية عام 2027 بـ «عام الماء». ولقد جاء هذا القرار الحكيم ليُمثّل امتدادًا لمنهجية المملكة السديدة في تسليط الضوء على أولوياتها الوطنية والثقافية والتنموية؛ حيث تبنت المملكة منذ عام 2020 استراتيجية وطنية للاحتفاء بالهوية والتراث والمستقبل من خلال تسمية الأعوام بأسماء دلالية محددة لتخصيص أعوام سابقة لمبادرات وطنية وثقافية متنوعة مثل «عام الخط العربي» و«عام القهوة السعودية» و«عام الشعر العربي» و«عام الإبل» و«عام الحرف اليدوية» و«عام الذكاء الاصطناعي».
ويأتي «عام الماء» العام المقبل بمشيئة الله للاحتفاء بهذا العنصر الحيوي وإبراز جهود الاستدامة والأمن المائي وليكون عنوانًا استراتيجيًا يربط بين تطلعات المملكة والمستهدفات العالمية. ومن حيث دلالات التسمية وسياقاتها الوطنية تأتي تسمية عام 2027 بـ «عام الماء» لتجسيد الاهتمام المستمر من القيادة الرشيدة بموارد المياه باعتبارها شريان الحياة المتدفق وأساس التنمية المستدامة. ومن المعروف أن معظم أراضي المملكة تقع ضمن النطاق الصحراوي الجاف وشبه الجاف، مما جعل قضية المياه تتصدر أولويات التخطيط الاستراتيجي منذ عقود.
وقد استطاعت المملكة بفضل الله التحول من مواجهة شح الموارد المائية الطبيعية إلى ترسيخ مكانتها كأكبر منتج للمياه المحلاة في العالم، وتطوير بنية تحتية مائية هي الأحدث والأكبر عالميًا.
إن تسمية عام 2027 بـ «عام الماء» ليعكس المكانة الريادية للمملكة في قيادة مستقبل الأمن المائي، ويفتح آفاقًا واسعة للابتكار والشراكات النوعية بما يتوافق مع رؤية المملكة 2030، ويسعى «عام الماء» إلى تحويل الملف المائي من مجرد قطاع خدمي إلى حراك مجتمعي واقتصادي واستثماري شامل، وترتكز أهدافه على مجموعة من المحاور الأساسية منها تعزيز الوعي الترشيدي والمجتمعي من خلال نشر ثقافة الترشيد وترسيخ مبادئ المحافظة على الموارد المائية بين أفراد المجتمع والقطاعات الاقتصادية، أيضًا تسريع تنفيذ الأولويات الوطنية عن طريق توحيد الجهود بين القطاعين الحكومي والخاص لتحقيق استدامة الإمداد ورفع كفاءة الشبكات، هذا إلى جانب تحفيز الابتكار والاستثمار وتشجيع البحث العلمي وإيجاد الحلول التقنية الحديثة في مجالات إعادة تدوير المياه وتخفيض الفاقد وتطوير تقنيات التحلية بتقنيات صديقة للبيئة، كذلك دعم التعجيل بتحقيق الهدف السادس المتعلق بالمياه النظيفة والنظافة الصحية الوارد ضمن مستهدفات أهداف التنمية المستدامة المشمولة في الخطة الشاملة (SDGs) التي وضعتها الأمم المتحدة لضمان استدامتها للأجيال القادمة.
وتتزامن تسمية عام 2027 بـ «عام الماء» مع حدث دولي بارز ألا وهو استضافة العاصمة الرياض للمنتدى العالمي الحادي عشر للمياه في الفترة من 21 إلى 25 مارس 2027 تحت شعار «العمل من أجل غدٍ أفضل»، ويُعد هذا المنتدى أكبر تجمع دولي يُـعنى بقضايا المياه في العالم حيث يجمع كبار صناع القرار والخبراء والمدراء التنفيذيين والمنظمات الدولية والشركات العالمية لمناقشة تحديات الشح المائي والتغير المناخي.
وتُعد هذه المرة الأولى التي تُقام فيها هذه التظاهرة العالمية الكبرى في المملكة مما يُـكرّس الرياض كوجهة وصانعة للسياسات المائية الدولية، كما تتكامل هذه الاستضافة مع الإعلان السابق للمملكة عن تأسيس المنظمة العالمية للمياه ومقرها الرياض، لتكون منصة دولية للمساهمة في تبادل الخبرات والتجارب ودعم الدول الأكثر تضررًا واحتياجًا في مواجهة تحديات وأزمات المياه ونقص مواردها على المستوى العالمي. ولم تكن تسمية 2027 بعام الماء مجرد شعار، بل يأتي تتويجًا لإنجازات ومشاريع نوعية قادتها المملكة على مدار السنوات الماضية، ومن أبرزها تحلية مياه البحر حيث أصبحت صناعة تحلية المياه المالحة من أهم الصناعات الحيوية عالميًا والتي اكتسبت في المملكة أهمية خاصة نظرًا لندرة الموارد المائية العذبة حتى أصبحت الخيار الاستراتيجي الذي ينظر إليه ويخطط من أجله. لذا انطلقت أكبر نقطة تحول كبرى في مضمار تحلية المياه المالحة في المملكة في عام 1974 حيث صدر مرسوم ملكي كريم بإنشاء المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة لتتولى بناء المحطات وإيصال المياه المحلاة لمختلف مناطق المملكة حيث تم تأسيس 33 محطة تحلية منها 8 محطات على ساحل الخليج العربي و25 محطة تحلية على ساحل البحر الأحمر وتنتج 5.6 مليون متر مكعب من المياه العذبة يومياً أيْ ما يمثل حوالي 70 % من إنتاج المياه في المملكة مما جعل المملكة تتربع على عرش أكبر منتج للمياه المحلاة في العالم وترعى أضخم برنامج لتحلية المياه الذي ساهم بشكل كبير في توفير الماء الصالح للشرب للمواطنين وبخاصة في المناطق التي تعاني من نقص المياه العذبة، ومنذ ذلك الحين، تطورت تقنيات التحلية بشكل ملحوظ، وتم إنشاء العديد من المحطات الحديثة التي تعتمد على أساليب تقنية مختلفة مثل التناضح العكسي والتقطير والتبخير مع اعتبارات حماية البيئة البحرية من المياه الرجيعة عالية الملوحة عبر حلول مبتكرة لتدويرها.
وللمضي قدمًـا في الاهتمام بهذا المرفق الحيوي نظرًا للحاجة الماسة للمياه العذبة في المملكة صدر قرار مجلس الوزراء الموقر برقم 918 وتاريخ 28 / 10 / 1445هـ القاضي بالموافقة على تحويل (المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة) إلى هيئة باسم (الهيئة السعودية للمياه)؛ لتكون الجهة المنظِّمة للأعمال والخدمات المتعلقة بأنشطة المياه والرقابة عليها وتطوير أساليبها بما يسهم في تحقيق الأهداف الاستراتيجية الوطنية للمياه. وأصبحت هذه الهيئة فعلا الجهة المختصة في المملكة بجميع شؤون منظومة المياه على المستويين الإشرافي والتنظيمي وتقديم الدعم الإستراتيجي للقطاع من خلال الرقابة التنظيمية والإشراف وإدارة المياه المستدامة وتحسين الخدمات وتعزيز القدرات والنمو الاقتصادي والابتكار والتقنية وحماية البيئة. وفي إطار الجهود المستمرة لتعزيزجودة المياه في المملكة نشر «معهد ابتكار تقنيات المياه والأبحاث المتقدمة (WTIIRA)» التابع للهيئة السعودية للمياه دراسة في 26 يونيو 2024 في مجلة المياه (Water Journal) تحت عنوان «جودة مياه الشرب في المملكة» تناولت تقييمًا شاملاً لجودة المياه المنتجة والمنقولة من محطات التحلية بالإضافة إلى المياه المنقاة المنتجة من المصادر الجوفية والسدود الثلاثة التابعة للهيئة السعودية للمياه ومقارنتها بجودة المياه في دول متقدمة مثل الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي إلى جانب إجراء اختبارات تحليلية كيميائية وفيزيائية مكثفة باستخدام مختبرات المعهد المركزية ومختبرات المحطات ومختبرات أنظمة النقل والسدود بالإضافة إلى التركيز على مدى مطابقة هذه المياه للمواصفات المحلية والعالمية لمياه الشرب غير المعبأة مثل مواصفات منظمة الصحة العالمية. ولقد أظهرت نتائج هذه الدراسة أن المياه المنتجة والمنقولة من محطات التحلية في المملكة تتميز بجودة عالية وفقـًا للمواصفات والمقاييس المحلية والعالمية حيث وصلت خدمات مياه الشرب الآمنة لمعدلات قياسية تتجاوز 100 % بين السكان، منها نسبة كبرى عبر الشبكات الحديثة.
ويواصل معهد ابتكار تقنيات المياه والأبحاث المتقدمة (الذراع البحثي للهيئة) دوره الريادي في تحسين كفاءة التشغيل وابتكار حلول مستدامة لجودة ونوعية المياه العادية والمحلاة وضمان توافرها واستدامتها لسكان المملكة وبخاصة مواكبة الطلب المتزايد المتمثل في مشاريع نيوم والقـدّيّة والمشاريع السياحية على البحر الأحمروالتي تتطلب إمدادات مائية مستدامة. ومما يحفز الهيئة نحو تحقيق قفزات قياسية ونوعية في مشاريعها مما يعزز ريادتها في صناعة التحلية أن بالإمكان إنتاج طاقة كهربائية تعتبر منتجًـا ثانويًا مرافقًـا إضافيًا للماء العذب (المُحلى) إذ لم تعد تحلية المياه مجرد وسيلة لتوفير مياه الشرب فحسب بل تحولت إلى منظومات طاقة متكاملة، لذا من الممكن أن تعمل محطات التحلية كمحطات إنتاج مزدوج أو مرافق (Co-generation) حيث يتم استغلال الحرارة والضغط المطلوبَـيْن في عمليات التحلية لإنتاج الماء والكهرباء في آن واحد. ويأتي إنتاج الكهرباء من محطات التحلية ليمثل قمة الاستغلال والاستفادة من الطاقة المهدرة في الحرارة الناتجة من حرق الوقود لتسخين مياه البحر وتبخيرها وإزالة الأملاح منها حيث يتم استخدام البخار عالي الحرارة والضغط بعدئذ لتحريك توربينات توليد الطاقة الكهربائية. ولقد استفادت المملكة بشكل جوهري من الكهرباء المنتجة عبر محطات التحلية «ثنائية الغرض» (إنتاج مياه وكهرباء معًا) في تعزيز أمن الإمدادات المائية والكهربائية وخفض التكاليف التشغيلية ودعم الجودة والكفاءة عبر التقنيات المتطورة، حيث تنتج محطات التحلية أكثر من 12 % من الكهرباء في المملكة، مما يسهم في دعم الشبكات الكهربائية وزيادة موثوقية إمدادات الطاقة وفي تقليل الانقطاعات الكهربائية بالإضافة لخفض الانبعاثات الكربونية من الغلاف الجوي مما يسهم في تخفيض التكاليف واستدامة المصادر وتحسين جودة الحياة.
ومن أبرز الإنجازات والحلول الاستراتيجية التي تم تحقيقها في مجال المياه إعادة استخدام المياه من خلال توسيع نطاق معالجة مياه الصرف الصحي الثلاثية لاستخدامها في أغراض الري والطبقات الصناعية. ومن أجل التكامل بين التحلية والمياه المعالجة يتم تخصيص المياه المحلاة عالية الجودة لأغراض الشرب والاستخدام البشري، بينما يتم التوسع في معالجة مياه الصرف الصحي ثلاثياً لاستخدامها في الأغراض الصناعية والري الزراعي والحدائق المنزلية والعامة. كذلك تم تطبيق برنامج الاستمطار الصناعي لزيادة معدلات هطول الأمطار وتغذية الأحواض الجوفية. وحيث إن رؤية المملكة 2030 تستهدف بناء اقتصاد قائم على المعرفة والاستدامة البيئية ففي قطاع المياه يترجم ذلك من خلال البحث عن بدائل مبتكرة تقترن بالطاقة المتجددة النظيفة، مثل استخدام الطاقة الشمسية في محطات التحلية وتطوير أدوات الإدارة الذكية للشبكات باستخدام الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء للكشف المبكر عن التسربات، ولا تقتصر الجهود على الجانب التقني فحسب، بل تمتد لتشمل الإدارة المتكاملة للموارد المائية من خلال الموازنة بين احتياجات القطاع الزراعي والصناعي والسكني، حمايةً للمياه الجوفية غير المتجددة من النضوب.
إنّ تجربة المملكة العربية السعودية في تحلية المياه لهي نموذج ملهم يثبت أن العزيمة والتخطيط الاستراتيجي قادران على قهر التحديات الطبيعية القاسية. لقد تحولت المياه المحلاة من مجرد خيار اضطراري لمواجهة الجفاف إلى صناعة وطنية وقوة اقتصادية ومنصة للابتكار الهندسي والبيئي. ومن خلال الجمع بين التقنيات الحديثة والاستثمار في الطاقة المتجددة والبحث العلمي المتقدم تصوغ المملكة اليوم مستقبل الأمن المائي ليس لرفاهية أجيالها الحاضرة والقادمة فحسب بل كرسالة أمل وحلول مستدامة للعالم أجمع.
وختامًا، يُمثّل إعلان عام 2027 «عامًا للماء» محطة مفصلية ترسم معالم مرحلة جديدة في التعاطي مع واحد من أهم موارد الحياة وعناصرها الحيوية. إنها رسالة سعودية للعالم أجمع مفادها أن مواجهة تحديات المياه تتطلب رؤية شجاعة، واستثمارات نوعية، وتعاونًا دولياً وثيقًا. ومع حلول عام 2027 واستضافة الرياض للمنتدى العالمي للمياه، ستكون المملكة في صدارة المشهد العالمي؛ تقود المبادرات وتطور الابتكارات وتضع البصمة السعودية في استدامة قطاع المياه من أجل حاضر مزدهر وغدٍ مشرق للأجيال الحاضرة والقادمة بمشيئة الله.










































