اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢١ أيلول ٢٠٢٦
منذ ان عرف الانسان معنى الحياة، عرف معها معنى الامتلاك. وليس المقصود هنا امتلاك المال او الاشياء وحدها، بل ذلك الميل الخفي الى امتلاك ما يجعل صاحبه مختلفا عن غيره، فكرة لا يعرفها سواه، حكاية لم يسمع بها احد، معلومة يتصدر بها مجلسا، او ميزة يصنع حولها هالة توهم الاخرين انه استثناء بين الناس.
وربما كانت غريزة التميز واحدة من اكثر الغرائز التصاقا بالنفس البشرية. فمن الناس من يطلبها بالعلم، ومنهم من يطلبها بالمال، ومنهم من يبحث عنها في المنصب والجاه، ومنهم من لا يملك شيئا من ذلك، فيصنع لنفسه عالما من الحكايات، ويقيم حول ذاته سورا من الادعاءات، ثم يقف خلفه منتظرا اعجاب الاخرين.
وحين يقترن التميز بالرغبة في السيطرة، يصبح الامر اكثر خطورة. فصاحب هذه النزعة لا يريد ان يكون مختلفا فحسب، بل يريد ان يكون متقدما، وان تكون له الكلمة التي يصمت عندها الاخرون، وان تصبح روايته هي الحقيقة، حتى لو اضطر الى تمريرها بالاكراه المغلف باللين، او في دفع بعض المال كوسيلة امتلاك خفية، او بالمسايرة التي تخفي خلفها رغبة عميقة في الهيمنة.
وقد تساعده في ذلك اشياء كثيرة، مال يفتح له الابواب، او علم يمنحه سلطة المعرفة، او منصب يفرض حضوره، او مكانة اجتماعية تجعل الناس اكثر استعدادا لتصديق ما يقول. وهكذا تنمو الهالة من حوله شيئا فشيئا، حتى يصدقها هو قبل ان يصدقها الاخرون.
لكن لكل هالة لحظة انطفاء، ولكل قناع لحظة سقوط.
وعندها لا ينفع المال، ولا يشفع المنصب، ولا يحميه العلم، لان الحقيقة حين تظهر لا تحتاج الى من يدافع عنها.
ومن هنا جاءت 'خرافة'.
وخرافة، كما تروي كتب اللغة والاخبار، ليس اسما لوهم مجهول، بل اسم رجل حقيقي من بني عذرة. غاب عن قومه زمنا، ثم عاد يحدثهم عن الجن، وعن عجائب رآها، وعن امور لا عهد لهم بها. فكذبوه، وصاروا يضربون به المثل في الحديث المستملح الذي لا يصدق، حتى جرى على السنة العرب قولهم: 'حديث خرافة'.
وهكذا حدث ما لم يكن خرافة نفسه يتوقعه. فقد اراد، فيما تحكي الرواية، ان يعود الى قومه بحكاية تجعله مختلفا، فاذا بحكايته تمنحه خلودا من نوع اخر. لم يخلد بوصفه الرجل الذي امتلك سرا لا يعرفه غيره، بل بوصفه الاسم الذي صار مثلا لكل حديث يستعصي على التصديق.
يا لها من مفارقة!
ان تصنع لنفسك هالة لتبقى، فتتحول الهالة نفسها الى سبب في خلودك، ولكن بالصورة التي لم تخترها.
وهذه هي الحكاية التي لم يتعلم منها كثيرون.
فاشباه خرافة ما زالوا بيننا. يتغير الزمان، وتتغير الوسائل، وتتبدل المجالس، لكن الانسان الذي يريد ان يستولي على عقول من حوله بحكاياته لا يتغير كثيرا. قد لا يحدثهم اليوم عن الجن، لكنه يحدثهم عن اسرار لا يعرفها غيره، وعن علاقات لا يملكها سواه، وعن انجازات لا يستطيع احد التحقق منها، وعن معرفة يزعم انها فوق مستوى الاخرين.
يبني حول نفسه هالة، ثم يعيش داخلها حتى ينسى ان الهالات لا تصمد امام الضوء.
والاغرب من ذلك ان بعضهم يرى الحقيقة كل يوم في وجوه من سبقوه، لكنه لا يتعظ. يكرر الحكاية ذاتها، ويعيد اللعبة ذاتها، ويظن ان ذكاءه سيمنحه نجاة لم ينلها غيره.
ولا يدري ان الحقيقة تشبه المرآة، قد يتأخر وضعها امامك، لكنها حين توضع لا تعرف المجاملة.
سيأتي يوم لا يعود فيه احد معنيا بما قاله، بل بما كان عليه.
يوم تسقط فيه الروايات، وتبقى الوقائع.
يوم لا يعود المال دليلا على الحكمة، ولا المنصب دليلا على الحقيقة، ولا كثرة المتابعين دليلا على الصدق، ولا ارتفاع الصوت دليلا على امتلاك الحجة.
وعندها، سيقف صاحب الهالة امام نفسه، مجردا من كل ما صنعه حولها، فيرى انسانا عاديا، لا يختلف عن غيره الا بقدر ما صدق، وما عمل، وما ترك وراءه من اثر.
فلا تغتروا كثيرا بما نسجتم حول انفسكم.
فمن يبالغ في صناعة صورته، قد يتحول يوما الى اسير لها.
ومن يجعل حياته قائمة على التفرد المصطنع، قد يجد ان اكثر ما يميزه في النهاية هو ان الناس لم يعودوا يصدقونه.
اما انتم، الذين تظنون انكم قادرون على خداع الجميع، فتذكروا خرافة.
رجل اراد ان يعود من الغياب بحكاية تجعله استثنائيا، فعاد اسمه من الغياب، نعم، لكنه عاد مثلا على الكذب والخداع.
وهذه هي الخرافة الحقيقية.
ان يظن الانسان انه يصنع مجده، بينما هو، من حيث لا يدري، يصنع قصته التي ستروى عنه بعده.
فاتعظوا قبل ان يصبح اسمكم حكاية، وقبل ان تتحول هالتكم الى اسطورة، وقبل ان يقول الناس عنكم يوما:
كان حديثهم... حديث خرافة.












































