اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٩ حزيران ٢٠٢٦
د. نجوى الكحلوت
كثيرًا ما تُستعمل كلمتا «العلاج» و«الشفاء» وكأنهما مترادفتان، مع أن بينهما فرقًا دقيقًا يكشفه الاستعمال اللغوي وتؤكده النصوص الشرعية. والوقوف عند هذا الفرق ضرورة لفهم العلاقة بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله.
العلاج هو ما يتخذه الإنسان من وسائل لمقاومة المرض أو التخفيف من آثاره؛ من تشخيص ودواء ورعاية وإجراءات طبية. إنه فعل يرتبط بالأسباب والسعي البشري، وقد يحقق مقصوده وقد لا يحققه. أما الشفاء فهو زوال المرض وعودة العافية، وهو الغاية التي يُرجى الوصول إليها من خلال تلك الأسباب.
ومن هنا جاءت الدقة القرآنية البالغة في قول الله عزوجل على لسان إبراهيم الخليل عليه السلام: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) الشعراء: 80، فلم يُسند الشفاء إلى دواء أو طبيب، وإنما إلى الله سبحانه؛ لأن الأسباب مهما بلغت من الدقة والتقدم تبقى وسائل لا تملك النتيجة بذاتها. وفي هذا التعبير أدبٌ رفيع في مخاطبة الله تعالى، وإقرارٌ بأن العافية من أعظم نعمه على عباده. فجاء المرض في سياق الفعل المسند إلى المتكلم، وجاء الشفاء فعلًا مسندًا إلى الله وحده، لتبقى النعمة مرتبطة بالمنعم، ويبقى القلب متعلقًا بمصدر الفضل والعطاء.
ويؤكد هذا المعنى ما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم عند عيادة المريض: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الْبَأْسَ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا». ففي هذا الدعاء يجتمع الاعتراف بالألم، واللجوء إلى الله، والإقرار بأن الشفاء الحقيقي لا يملكه إلا هو سبحانه.
وتكشف اللغة جانبًا آخر من الفرق بين اللفظين؛ فالعلاج يُوصف بالنجاح أو الإخفاق، وبالقوة أو الضعف، أما الشفاء فلا يكون إلا متحققًا أو غير متحقق. فالعلاج مرحلة، والشفاء نتيجة. والعلاج طريق، والشفاء وصول.
ولهذا لا تعارض بين التوكل والأخذ بالأسباب؛ فالمؤمن يراجع الطبيب، ويتناول الدواء، ويلتزم بالخطة العلاجية، ويستفيد من منجزات العلم، لأن السعي إلى العلاج جزء من عمارة الحياة التي أمر الله بها. غير أن يقينه يبقى معلقًا بالله الذي جعل لكل شيء سببًا، وجعل فوق الأسباب مشيئته وقدرته.
وحين نفرّق بين العلاج والشفاء ندرك سر الدقة في التعبير القرآني والنبوي؛ فالأسباب مطلوبة، والسعي إليها عبادة، أما الشفاء فهبة إلهية يتفضل الله بها على عباده متى شاء وكيف شاء. ولهذا يبقى العلاج من صنعة الإنسان، ويبقى الشفاء منحة الرحمن، وبينهما مساحة واسعة من السعي والدعاء واليقين.










































