اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٢٤ أيلول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
خاص - لم يقتصر خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة على عرض الموقف الأردني من الحرب في غزة أو التطورات المتسارعة في الضفة الغربية، بل حمل تحذيراً أوسع من مسار يرى الأردن أن تداعياته قد تتجاوز حدود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وصولاً إلى تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي في المنطقة من خلال التهجير والضم وفرض وقائع جديدة بالقوة.
وجاء الخطاب بلغة مباشرة في توصيف المخاطر التي تراها عمّان في السياسات الإسرائيلية، رابطاً بين ما يحدث في غزة والضفة الغربية والتطورات في جنوب سوريا، ومؤكداً في الوقت ذاته ثوابت الموقف الأردني المتعلقة برفض تهجير الفلسطينيين أو ضم أراضيهم، والتمسك بقيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة.
غزة والضفة.. أزمة واحدة وليست ملفين
ووضع الملك ما يحدث في قطاع غزة والضفة الغربية ضمن سياق سياسي واحد، محذراً من أن تدمير غزة من جهة، والتوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي وتهجير السكان في الضفة من جهة أخرى، يقوضان بصورة متزامنة إمكانية قيام دولة فلسطينية.
وفي هذا السياق، تناول الخطاب تصاعد عنف المستوطنين وهدم المنازل والاستيلاء على الأراضي والتوسع الاستيطاني، معتبراً أن النظر إلى كل إجراء بصورة منفصلة يحجب الصورة الأوسع المتعلقة بالتغيرات المتراكمة على الأرض.
وبذلك انتقل الخطاب من مناقشة النتائج الإنسانية للحرب إلى السؤال السياسي الذي تعتبره عمّان جوهر القضية: ماذا سيبقى من حل الدولتين إذا تغيرت الأرض التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية؟
التهجير.. خط أحمر أردني
ويشكل رفض تهجير الفلسطينيين أحد أكثر المواقف الأردنية ثباتاً خلال السنوات الماضية، إذ أكدت المملكة مراراً رفضها إخراج الفلسطينيين من قطاع غزة أو الضفة الغربية تحت أي مسمى، سواء بالقوة المباشرة أو عبر خلق ظروف تدفع السكان إلى الرحيل.
وترى عمّان أن التهجير لا يمثل مجرد نتيجة إنسانية للحرب، وإنما يحمل آثاراً سياسية بعيدة المدى تمس جوهر القضية الفلسطينية وحق الفلسطينيين في تقرير المصير والبقاء على أرضهم.
ولهذا يرتبط الموقف الأردني من التهجير مباشرة برفض تغيير التركيبة السكانية والجغرافية للأراضي الفلسطينية المحتلة، وبالتمسك بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس.
من التهجير إلى الضم
وفي الرؤية الأردنية، لا يمكن فصل التهجير عن الاستيطان والضم.
فالتوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي وهدم المنازل، إذا استمرت بصورة متراكمة، تقلص المساحة المتاحة أمام قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة، وهو ما يجعل رفض الضم بالنسبة للأردن مرتبطاً مباشرة بالدفاع عن حل الدولتين وليس موقفاً قانونياً مجرداً.
ومن هنا جاءت حدة التحذير الملكي من أن التعامل الدولي مع الانتهاكات باعتبارها أحداثاً منفصلة أو مؤقتة قد يسمح بمرور الوقت بتحول الأمر الواقع إلى واقع سياسي دائم.
أدوات دولية موجودة.. لكن السؤال عن استخدامها
وتوقف الملك عند مسؤولية المجتمع الدولي، مشيراً إلى أن المشكلة ليست في غياب الأدوات التي يمكن استخدامها للضغط وفرض الالتزام بالقانون الدولي.
فالمنظومة الدولية تمتلك، بحسب ما جاء في الخطاب، أدوات تتراوح بين العقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزلة الدبلوماسية، إلا أن القضية تكمن في الإرادة السياسية لتفعيل هذه الأدوات.
وهنا حمل الخطاب انتقاداً يتجاوز الموقف من إسرائيل إلى طريقة عمل النظام الدولي نفسه: ما قيمة القانون إذا كان تطبيقه يتغير باختلاف الدولة التي تنتهكه؟
فالانتقائية لا تضعف القرار المتعلق بأزمة بعينها فقط، وإنما تضرب الثقة بالقواعد التي يفترض أن تنظم العلاقات بين الدول.
لماذا يمثل التهجير قضية أمن وطني بالنسبة للأردن؟
حساسية الأردن تجاه ملف التهجير لا تنفصل عن موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية والتاريخية وصلته المباشرة بالقضية الفلسطينية.
فأي محاولة لإعادة تشكيل الواقع السكاني الفلسطيني بالقوة لا تتوقف آثارها عند الأراضي المحتلة، بل يمكن أن تنعكس على دول الجوار وعلى فرص التسوية السياسية وعلى استقرار المنطقة بأكملها.
ولهذا لا تتعامل عمّان مع رفض التهجير باعتباره موقفاً تضامنياً فحسب، بل جزءاً من رؤيتها لأمنها الوطني ومستقبل القضية الفلسطينية.
فالأردن يريد الفلسطينيين على أرضهم، ودولتهم على أرضهم، وحل قضيتهم على أساس حقوقهم الوطنية المشروعة، وليس ترحيل المشكلة إلى دولة أخرى.
سوريا تدخل الصورة
لكن الجزء الذي وسع دائرة الخطاب خارج فلسطين تمثل في حديث الملك عن سوريا.
فقد حذر من التوغلات الإسرائيلية وفرض وقائع جديدة في الجنوب السوري، بما يشمل قضايا مرتبطة بالأرض ومصادر المياه، واضعاً هذه التطورات ضمن سياق أوسع يتعلق بما وصفه بالأطماع التوسعية للحكومة الإسرائيلية.
وتكمن أهمية إدخال سوريا في الخطاب في أن الرسالة الأردنية لم تعد تتحدث فقط عن مستقبل الأراضي الفلسطينية، وإنما عن احتمال انتقال منطق فرض الأمر الواقع إلى ساحات أخرى.
بالنسبة إلى الأردن، يصبح الأمر أكثر حساسية عندما يقع ذلك على حدوده الشمالية أو يمس موارده المائية.
وهنا تتحول المسألة من موقف سياسي تجاه أزمة إقليمية إلى مصلحة أمن قومي أردنية مباشرة.
الأردن يرسم حدوداً واضحة
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الخطاب باعتباره محاولة لرسم الحدود السياسية للموقف الأردني في مرحلة شديدة الاضطراب.
الأردن يدعم السلام.
ويرفض التهجير.
ويرفض الضم.
ويتمسك بحل الدولتين.
ويحذر من تغيير الحدود والوقائع بالقوة.
وفي الوقت ذاته، يربط أي تهديد لحدوده أو أمنه المائي مباشرة بأمنه الوطني.
هذه الرسائل لا تعني أن الأردن يبحث عن مواجهة؛ بل إن الخطاب نفسه يتمسك بالحلول السياسية والدبلوماسية. لكنها تعني أن هناك فارقاً بين السعي إلى السلام وبين قبول وقائع تمس المصالح الوطنية للمملكة.
الخوف الأردني ليس من أزمة اليوم فقط
وهنا ربما توجد الزاوية الأهم.
الأردن لا ينظر إلى غزة والضفة وسوريا باعتبارها ثلاثة ملفات منفصلة، بل يراقب اتجاهاً.
عندما يصبح التهجير مطروحاً كحل سياسي، والضم وسيلة لفرض الحدود، والاستيطان أداة لتغيير الواقع، والتوغل العسكري وسيلة لصناعة مناطق نفوذ جديدة، فإن السؤال بالنسبة إلى دولة مثل الأردن يصبح أكبر من الحدث الآني.
إلى أين تقود هذه السياسة المنطقة بعد خمس أو عشر سنوات؟
فالخرائط لا تتغير دائماً باتفاقيات دولية كبيرة. قد تتغير تدريجياً عبر آلاف الوقائع الصغيرة التي تتحول مع مرور الوقت إلى حقائق يصعب التراجع عنها.
ومن هنا تأتي حساسية الخطاب تجاه صمت المجتمع الدولي.
من «إدارة الصراع» إلى مواجهة جذوره
على مدى سنوات طويلة، حذر الأردن من خطورة الاكتفاء بإدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بدلاً من حله.
ففي كل جولة تصعيد تتحرك الدبلوماسية لوقف إطلاق النار، ثم تبدأ المساعدات وإعادة الإعمار، قبل أن يعود العالم تدريجياً إلى ملفات أخرى.
لكن أسباب الصراع تبقى.
وهنا تبدو الرسالة الأردنية أكثر وضوحاً: لا يمكن بناء استقرار دائم من خلال إدارة النتائج وترك الأسباب.
فمن دون أفق سياسي للفلسطينيين، ومن دون وقف الإجراءات التي تقوض إمكانية قيام دولتهم، سيظل أي هدوء معرضاً للانهيار.
ثلاث لاءات.. و«نعم» واحدة
ويمكن اختصار جزء أساسي من الموقف الذي حمله الخطاب بثلاث لاءات مترابطة:
لا لتهجير الفلسطينيين.
لا لضم أراضيهم.
لا لفرض واقع يجعل قيام دولتهم مستحيلاً.
لكن الموقف الأردني لا يتوقف عند الرفض.
هناك أيضاً «نعم» واضحة: نعم لتسوية سياسية تقود إلى دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة على خطوط الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس، وتوفر الأمن للفلسطينيين والإسرائيليين ودول المنطقة.
وهنا تكمن نقطة مهمة؛ فالطرح الأردني لا يقدم بديلاً قائماً على استمرار الصراع، وإنما يحاول الدفاع عن حل سياسي يرى أن الوقائع على الأرض تهدده بصورة متسارعة.
الرسالة التي حملها الملك إلى نيويورك
لم يذهب الملك إلى منصة الأمم المتحدة ليقول إن الأردن قلق فقط.
المضمون الأعمق للخطاب هو أن عمّان ترى مساراً يجب وقفه قبل أن يصبح من الصعب عكسه.
فإذا أصبح التهجير أمراً قابلاً للنقاش، والضم واقعاً قابلاً للتعايش معه، والاستيطان حقيقة لا يمكن تغييرها، والتوسع خارج الحدود حدثاً يمر من دون ردع، فإن المشكلة لن تبقى فلسطينية إسرائيلية.
ستصبح مشكلة إقليمية.
ومن هنا يمكن فهم قوة اللغة التي استخدمها الملك.
الأردن لا يحذر من حرب واحدة، بل من منطق سياسي إذا ترسخ قد يعيد تشكيل المنطقة بالقوة.
ولهذا فإن السؤال الذي تركه الخطاب أمام المجتمع الدولي ليس فقط: ماذا ستفعلون من أجل غزة؟
ولا ماذا ستفعلون من أجل الضفة؟
بل سؤال أكبر:
هل سيبقى القانون هو الذي يرسم حدود المنطقة، أم ستبدأ الوقائع المفروضة بالقوة في رسمها؟
بالنسبة إلى الأردن، الإجابة ليست قضية دبلوماسية بعيدة.
فحين يكون الحديث عن فلسطين غرب حدوده، وسوريا شمالها، والمياه والأمن والتهجير في قلب المعادلة، تصبح حماية الحل السياسي وحماية الأمن الوطني الأردني دائرتين تقتربان من بعضهما أكثر من أي وقت مضى.
وهذا ربما كان جوهر الرسالة الأردنية من نيويورك:
لا تسمحوا بأن تتحول وقائع اليوم إلى خريطة الغد.












































