اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٨ أيلول ٢٠٢٦
مرة أخرى، يجد الطالب الأردني وأسرته أنفسهم أمام شرح جديد للتوجيهي: مرحلة ثانوية من ثلاث سنوات، امتحان عام للقبول الجامعي، شهادة مدرسية منفصلة، مواد تقدم بعد الحادي عشر وأخرى بعد الثاني عشر، حقول واختيارات، ومسار مهني، وامتحانات تتجه إلى الحوسبة.
وقد تكون لكل واحدة من هذه الأفكار حجتها التربوية. وقد تستطيع وزارة التربية والتعليم أن تقدم لكل تعديل مبررات تبدو مقنعة على الورق. لكن المشكلة التي تستحق أن نتوقف عندها لم تعد في تفاصيل آخر نسخة من التوجيهي بقدر ما أصبحت في السؤال الأكبر: إلى متى سيظل أهم امتحان في حياة الأردنيين عرضة لإعادة التصميم؟
التعليم يحتاج إلى التطوير، ولا أحد يدعو إلى تجميد نظام أثبتت التجربة وجود عيوب فيه. والتوجيهي القديم لم يكن نموذجًا مثاليًا؛ فقد حمّل امتحان واحد الطالب والأسرة ضغطًا هائلًا، وربط مستقبل شاب في السابعة عشرة من عمره بساعات امتحانية معدودة، وخلق حول المعدل ثقافة اجتماعية وتعليمية لا تخلو من التشوه.
لكن الاعتراف بعيوب القديم لا يعني أن كل تغيير جاء بعده كان بالضرورة أفضل.
خلال العقود الثلاثة الأخيرة، انتقل التوجيهي بين تعديلات في الفروع والدورات والمباحث وعدد المواد وطريقة احتساب المعدل وفرص الإعادة، ثم وصلنا إلى المسارين الأكاديمي والمهني، والتوجيهي على سنتين، والحقول الأكاديمية، قبل أن تطال التعديلات عدد تلك الحقول والخطط المرتبطة بها. واليوم نتحدث عن فصل شهادة إنهاء المدرسة عن الامتحان العام، وعن امتحان للقبول الجامعي، وعن انتقال مرتقب إلى الامتحانات الإلكترونية.
كل ذلك جرى ويجري تحت عنوان واحد: التطوير.
وهنا يصبح من حق الأردنيين أن يسألوا: إذا كان كل نظام سابق قد جاء لتطوير الذي قبله، فلماذا احتاج هو نفسه بعد فترة إلى تطوير جديد؟ وأين الدراسات التي تقول للرأي العام، بوضوح، ماذا نجح في كل تجربة وماذا فشل؟ وما الذي تعلمناه قبل الانتقال إلى التجربة التالية؟
ليس المطلوب محاكمة وزارة أو وزير، فملف التوجيهي أقدم من الوزير الحالي، وتعاقبت عليه حكومات ووزراء ومسؤولون كثر. المشكلة أعمق من الأشخاص؛ إنها مشكلة استقرار السياسة التربوية نفسها.
فالطالب ليس حقل تجارب.
هذه العبارة يجب ألا تُقرأ كشعار شعبوي. الطالب الذي يختار في سن مبكرة مواد وحقلًا ومسارًا لا يتعامل مع جدول مدرسي وحسب، بل يتخذ قرارات قد تحدد التخصص الجامعي الذي يستطيع دخوله بعد سنوات. وحين تتبدل المسميات والمتطلبات والحقول والمواد، لا يبقى التغيير قرارًا في مكاتب الوزارة؛ بل يدخل معه القلق إلى آلاف البيوت.
الأب والأم يريدان جوابًا بسيطًا: ماذا يجب أن يدرس ابننا حتى يصل إلى التخصص الذي يريده؟ والطالب يريد أن يعرف الطريق قبل أن يبدأ السير فيه، لا أن يحتاج كل عام إلى دليل جديد لفهم النظام.
ومن هنا تأتي الكلفة الأخرى التي لا تظهر في القرارات الرسمية. فكلما ازدادت قواعد الثانوية تعقيدًا، بحثت الأسرة عن تفسير وطمأنينة خارج المدرسة: مدرس خصوصي، منصة تعليمية، دورة، ملخصات جديدة، أو من يشرح لها الحقول والمواد ومتطلبات الجامعة. وقد لا نملك رقمًا وطنيًا دقيقًا لحجم ما تنفقه الأسر بسبب ذلك، لكننا نعرف جيدًا حجم السوق الذي نشأ حول التوجيهي.
الأسرة الأردنية تدفع من أعصابها ومن جيبها.
ولذلك، عندما تقول الوزارة إن النظام الجديد يمنح الطالب مرونة أكبر، ويخفف من مصيرية الامتحان الواحد، ويربط اختياراته بميوله وبالتخصص الجامعي وسوق العمل، فهذه أهداف تستحق الاحترام. لكن الهدف الجيد ليس شهادة نجاح مسبقة لأي نظام. نجاح السياسة التعليمية يقاس بعد تطبيقها واستقرارها وتقييم نتائجها، لا بعدد المزايا المكتوبة في عرضها الأول.
وحتى النظام الذي عرفناه قبل أكثر من عشرين عامًا، بفروعه الواضحة ومساره الذي تفهمه المدرسة والبيت والطالب، كانت له عيوب كثيرة. لكنه امتلك ميزة نفتقدها اليوم: الوضوح والاستقرار.
كان الطالب يعرف في أي فرع هو، وما المواد المطلوبة منه، وإلى أين يمكن أن يقوده ذلك الفرع. لم يكن النظام مثاليًا، لكن الناس فهموه. وهذه ليست فضيلة صغيرة في التعليم.
ليس كل قديم صالحًا، لكن ليس كل جديد تطويرًا أيضًا.
والأكثر إثارة للقلق أن كثرة التعديل تجعل من الصعب تقييم أي تجربة أصلًا. فالنظام التعليمي يحتاج سنوات حتى تظهر آثاره الحقيقية. فإذا عدّلناه قبل أن ينضج، ثم عدّلنا التعديل، فمتى نعرف أن المشكلة كانت في أصل النظام، ومتى نعرف أنها كانت في التنفيذ، ومتى نعرف أن الحل الجديد أفضل بالفعل؟
قبل أن نسأل الطالب عن المواد التي سيختارها، من حقه أن يسألنا نحن: هل أنتم متأكدون من النظام الذي اخترتموه لي؟
هذا السؤال يستحق جوابًا أكبر من عبارة «مواكبة الأنظمة العالمية». الأردن ليس مضطرًا إلى استنساخ الماضي، كما أنه ليس مضطرًا إلى تغيير نظامه كلما ظهرت فلسفة تربوية جديدة. المطلوب نموذج أردني واضح، مدروس، قابل للتطبيق، ومستقر بما يكفي لكي تدخل إليه دفعة من الطلبة وتخرج منه وهي تلعب وفق القواعد نفسها.
أما الامتحان الإلكتروني، فهو خطوة كبيرة أخرى. الحوسبة قد توفر مرونة وسرعة وفرصًا متعددة، لكنها تحتاج إلى بنية تحتية لا تحتمل الخطأ، ومراكز قادرة على استيعاب الطلبة، وبنوك أسئلة مجرّبة، وخطط بديلة لأي خلل تقني. ففي امتحان يتعلق بالقبول الجامعي، لا يجوز أن يصبح الطالب مختبرًا لجاهزية التقنية أيضًا.
ما نحتاجه اليوم ليس إعلان نسخة أخرى من التوجيهي ثم الدفاع عنها حتى يأتي تعديل جديد. نحتاج إلى عقد تربوي وطني طويل الأمد: نظام يبنى بمشاركة المدرسة والجامعة والمعلم والخبير والطالب والأسرة، ويخضع لتجربة وتقييم مستقلين، وتنشر نتائجهما للرأي العام، ثم يستقر لسنوات كافية.
ومن حق الأردنيين أيضًا أن يعرفوا، قبل الاحتفاء بأي تغيير جديد: ماذا كانت نتيجة التغيير السابق؟ كم كلف؟ ما الذي نجح فيه؟ لماذا تغير؟ وهل استمعنا فعلًا إلى الذين عاشوا التجربة في الصفوف والمدارس والبيوت؟
هذه ليست أسئلة لمعارضة التطوير؛ بل لحمايته من الارتجال.
وزارة التربية تحمل واحدًا من أثقل الملفات في الدولة، وقراراتها لا تظهر نتائجها في اليوم التالي. الخطأ في مشروع طريق يمكن إصلاحه، والخطأ في مبنى يمكن ترميمه، أما الخطأ في سياسة تعليمية فقد لا تظهر كلفته إلا عندما يصل جيل كامل إلى أبواب الجامعات وسوق العمل.
لذلك، آن الأوان لأن يكون استقرار التوجيهي هدفًا تربويًا بحد ذاته، وأن تتوقف إعادة هندسته المتكررة إلا بناء على تقييم علمي معلن وحاجة حقيقية، وأن يحصل الطالب الذي يبدأ مساره على ضمانة أخلاقية وتربوية بأن قواعد مستقبله لن تتبدل وهو في منتصف الطريق.
يمكن للوزارة أن تعيد تصميم التوجيهي عشر مرات على الورق، لكن الطالب لا يملك عشرة أعمار ليجرب معها مستقبله.












































