اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٦ أب ٢٠٢٦
د. مها الدخيل
تتغير أدوات القوة في العلاقات الدولية مع تغير طبيعة الاقتصاد العالمي. فإلى جانب القوة العسكرية والعقوبات المالية والتجارية، أصبحت التكنولوجيا إحدى الأدوات المؤثرة في ممارسة الضغط السياسي، حيث تستطيع الدول من خلالها التأثير في خصومها ومنافسيها من دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة. ومع اعتماد الاقتصادات الحديثة على الرقائق الإلكترونية والبرمجيات والحوسبة المتقدمة والذكاء الاصطناعي، أصبح التحكم في الوصول إلى التكنولوجيا جزءاً من منظومة النفوذ الجيوسياسي.
وتقوم العقوبات التقنية على تقييد وصول دولة معينة أو شركة أو قطاع اقتصادي إلى تقنيات حيوية مهمة، فبدلاً من استهداف الاقتصاد بأكمله، يمكن فرض قيود على تقنيات محددة تعتمد عليها صناعات واسعة، بما يؤثر في قدرة الدولة على الإنتاج والتطوير والمنافسة.، وبذلك لم تعد التكنولوجيا مقتصرة على دورها الاقتصادي والتنموي، بل أصبحت إحدى وسائل الضغط السياسي الاستراتيجي التي تستخدمها الدول في إدارة مصالحها ومنافساتها الدولية.
وتظهر أهمية هذا النوع من النفوذ بوضوح في حرمان بعض الدول من استيراد 'أشباه الموصلات والرقائق المتقدمة' التي أصبحت في صميم الاقتصاد الرقمي الحديث، فهذه المكونات الإلكترونية الدقيقة هي التي تتيح للأجهزة معالجة البيانات وتنفيذ العمليات وتشغيل الأنظمة، وتوجد اليوم في كل شيء تقريباً، من الهواتف والسيارات إلى المصانع والأجهزة الطبية ومراكز البيانات. وتزداد أهميتها مع التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي الذي يحتاج إلى رقائق متقدمة قادرة على تنفيذ عمليات حوسبة هائلة بكفاءة وسرعة عالية.
وتجسّد هذا التحول في العقوبات والقيود التقنية التي فرضتها الولايات المتحدة على الصين في عام 2022، ومنعها من الحصول على بعض رقائق الحوسبة المتقدمة ومعدات تصنيع أشباه الموصلات. ويعكس ذلك تغيراً في طبيعة التنافس بين القوى الكبرى، إذ لم تعد أدوات الضغط تقتصر على العقوبات المالية والتجارية، بل امتدت إلى تقييد الوصول إلى تقنيات حيوية، بما قد يحدّ من قدرة الدول على تطوير صناعاتها وتعزيز قدراتها في المجالات المتقدمة.
ويمنح الصعود المتسارع للذكاء الاصطناعي هذا النوع من النفوذ أهمية أكبر، فالذكاء الاصطناعي لا يقوم على البرمجيات والخوارزميات وحدها، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة من الرقائق عالية الأداء، وقدرات الحوسبة، ومراكز البيانات، والخدمات السحابية، والطاقة والبيانات. ومع توسع استخدامه في الصناعة والطب والتعليم والطاقة والخدمات، أصبحت التقنيات التي تقف خلفه ذات قيمة اقتصادية واستراتيجية متزايدة. وتشير منظمة التجارة العالمية إلى أن السلع المرتبطة بتطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي شكّلت نحو 13% من إجمالي التجارة العالمية في السلع عام 2023، وارتفعت إلى قرابة 17% بنهاية عام 2025، بما يعكس تنامي أهمية هذه التقنيات في الاقتصاد العالمي.
وهنا تبرز قوة العقوبات التقنية مقارنة بأدوات الضغط التقليدية. فالعقوبات المالية تستهدف القدرة على التمويل، والقيود التجارية تستهدف حركة السلع والأسواق، بينما يمكن للعقوبات التقنية أن تؤثر في القدرة على الابتكار والتطوير الصناعي والوصول إلى الجيل التالي من التكنولوجيا. ولذلك فإن أثرها قد يتجاوز الضغط الاقتصادي المباشر إلى التأثير في قدرة الدول على بناء مستقبلها.
ولا يعني ذلك أن العقوبات التقنية يمكن أن تحل محل القوة العسكرية أو الاقتصادية، لكنها أصبحت أداة إضافية تستطيع الدول استخدامها لتحقيق أهدافها دون الوصول إلى مواجهة مباشرة. وفي بعض القطاعات شديدة الاعتماد على التكنولوجيا، قد يكون تقييد الوصول إلى تقنيات أو معدات متقدمة أكثر فاعلية من فرض قيود تجارية واسعة، خصوصاً عندما يصعب توفير بدائل لها في وقت قصير.
وفي ظل تغير موازين القوة وتزايد أهمية التكنولوجيا في العلاقات الدولية، يجب على دولنا العربية تعزيز قدراتها التقنية وتقليل اعتمادها على مصادر محدودة للتكنولوجيا، ويتطلب ذلك الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبحث والتطوير وتأهيل الكفاءات الوطنية وتطوير البنية الرقمية، إلى جانب تنويع الشراكات التقنية، بما يعزز الاستقلالية ويحد من احتمالات التعرض للضغوط الخارجية.
فالعقوبات التقنية لا تستهدف ما تمتلكه الدول اليوم فقط، بل قد تؤثر في قدرتها على بناء ما تحتاج إليه غداً.










































