اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٨ تموز ٢٠٢٦
د. عبدالعزيز حمد العويشق
إن أردنا القضاء على القرصنة قبل أن تستفحل، يجب عودة التنسيق الدولي بقوة، ودعم الحكومة الصومالية سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.. حيث كان تنامي قدرات مقديشو بعد عام 2012 والاستقرار النسبي الذي شهده الصومال حينها سببين مهمين في نجاح الجهود الدولية للقضاء على القرصنة..
خلال 2026، عاد تهديد القرصنة إلى الواجهة بعد أكثر من عقد من انحساره عقب نجاح الجهود الدولية والإقليمية في القضاء عليها، فخلال الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام سُجّلت 17 حادثة قرصنة على الأقل، منها حوادث تتعلق بثلاث سفن على الأقل مازالت محتجزة من قبل القراصنة. ففي 17 يوليو، اختطف القراصنة الناقلة MT Asana على بُعد نحو 50 كيلومتراً من ساحل حضرموت، وفي 2 مايو اختطفوا الناقلة MT Eureka، وفي 22 أبريل اختطفوا الناقلة Honor 25.
وتختلف عمليات القرصنة الحالية عن التجربة السابقة منذ أكثر من عشر سنوات، أن النطاق المكاني الآن لم يعد محصوراً في المياه الإقليمية للصومال فقط، بل امتد نشاطها إلى تهديد لسفن تُبحر على بعد مئات الأميال في المحيط الهندي.
بعد انهيار الحكومة الصومالية في أوائل التسعينات، استعان الصيادون الصوماليون بجماعات مسلحة لحماية مصائد الأسماك من الشركات الأجنبية، ولكن هذه الجماعات تحولت بمرور الوقت إلى القرصنة. فبين عامي 2005 و2012، هاجم هؤلاء القراصنة أكثر من ألف سفينة أجنبية، بلغت ذروتها عام 2011 حين هوجمت 239 سفينة في عام واحد. وقُدّرت وقتها خسائر الاقتصاد العالمي وقتها بنحو 18 مليار دولار سنوياً، بسبب نهب السفن، واحتجازها لفترات طويلة، ودفع الفدية لإطلاق سراح البحارة، والاضطرار للإبحار عن طريق رأس الرجاء الصالح، مما يزيد في وقت النقل أسبوعين على الأقل.
ولم يتم القضاء على نشاط القرصنة إلا من خلال التعاون الدولي، مثل تأسيس القوات البحرية المشتركة CMF عام 2001، وتضم اليوم في عضويتها 47 دولة منها المملكة العربية السعودية وسائر دول مجلس التعاون، بالإضافة إلى جهود الاتحاد الأوروبي ومنظمة شمال الأطلسي NATO، والصين وروسيا واليابان. ونجحت تلك الجهود في القبض على أكثر من 1400 من القراصنة والقضاء شبه الكامل على القرصنة في تلك المنطقة، حيث لم تنجح خلال فترة 10 سنوات (2013-2023) سوى حالتي قرصنة فقط.
ولكن في عام 2026، كان لإغلاق مضيق هرمز في شهر فبراير 2026 ومهاجمة الحوثيين للسفن في البحر الأحمر تأثير مضاعف على حرية الملاحة سمح لنشاط القرصنة بالعودة للظهور، وذلك لعدة أسباب:
فالسبب الأول: هو الشراكة الفعلية القائمة بين الحوثيين وحركة الشباب والقراصنة. حيث يقدم الحوثيون الأسلحة وأجهزة الاتصال والتدريب لحركة الشباب، التي تقوم بالتنسيق بين القراصنة والحوثيين، مع أنه لوحظ مؤخراً أن ثمة تنسيقاً مباشراً بين القراصنة والحوثيين. وتسيطر حركة الشباب على بعض المناطق في جنوبي الصومال، مما يمكنهم من تقديم الدعم اللوجيستي للقراصنة. ومن وجهة نظر الحوثيين، يعمل القراصنة كوكلاء لهم لعرقلة حرية الملاحة، دون أن يكونوا مسؤولين عنها مباشرة.
السبب الثاني: بفضل دعم الحوثيين وإيران وحركة الشباب، تطوّرت قدرات القراصنة، فأصبحوا يستخدمون وسائل الاتصالات عبر الأقمار الصناعية لتتبع السفن في عرض المحيط، بعيداً عن الساحل الصومالي. وأصبحوا يستخدمون سفناً أكثر تقدماً وأسلحة ثقيلة أكثر من ذي قبل.
السبب الثالث: أدت تهديدات الحوثيين للملاحة إلى تحوّل نحو 70 بالمئة من حركة إلى راس الرجاء الصالح، مما أعطى القراصنة وقتاً وفرصة أكبر لمهاجمة السفن.
السبب الرابع: أعطى نقص إمدادات البترول وارتفاع أسعارها حوافز جديدة للقراصنة للاستيلاء على ناقلات الوقود.
السبب الخامس: التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تواجهها الحكومة الصومالية – نشاط حركة الشباب وداعش، والحركة الانفصالية في بلاد الصومال Somaliland التي تحصل على دعم نوعي من إسرائيل للانفصال، ورفض بعض المناطق الاعتراف بسلطة الحكومة الفدرالية، بالإضافة إلى التحدي الاقتصادي.
ولهذه الأسباب، إن أردنا القضاء على القرصنة قبل أن تستفحل، يجب عودة التنسيق الدولي بقوة، ودعم الحكومة الصومالية سياسياً واقتصادياً وأمنياً. حيث كان تنامي قدرات مقديشو بعد عام 2012 والاستقرار النسبي الذي شهده الصومال حينها سببين مهمين في نجاح الجهود الدولية للقضاء على القرصنة.
ومن أكثر الأمور إلحاحاً تجفيف مصادر الدعم للقراصنة، وأهمها ما يقدمه الحوثيون وإيران من دعم مباشر وغير مباشرة لتلك الجماعات المسلحة.










































