اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٥ أب ٢٠٢٦
مفضي بن راضي الخمساني
منذ سنوات الطفولة الأولى كانت جريدة «الرياض» حاضرة في صباحاتي. كنت أترقب العدد اليومي بشغف، وأبحث بين صفحاته عن المقالات التي كانت تأخذني إلى عالم أوسع من عمري ومحيطي. لم أكن أعرف وقتها معنى الصحافة، لكنني كنت أشعر بقيمة الكلمة والفكرة.
وكان للكاريكاتير مكان خاص في تلك الرحلة؛ كنت أبحث عنه بين الصفحات وأتأمل تفاصيله، أحاول فهم الفكرة التي يحملها، وأضحك أحيانا من مفارقاته. لم أكن أعرف أن الرسم الصحفي يمكن أن يختصر قضية كاملة في بضعة خطوط، لكنني كنت أدرك أن تلك الرسومات تقول شيئا يستحق التوقف عنده.
كبرت، وكبرت معي علاقتي بصحيفة «الرياض»، ومع مرور السنوات أدركت أن الصحيفة لم تكن مجرد أوراق تصل إلى المنزل، بل نافذة على المملكة والعالم. كانت تسجل التحولات التي عاشتها المملكة، وتتابع نمو المدن وتطور التعليم والاقتصاد والخدمات، وتمنح القارئ مساحة ليرى وطنه وهو ينتقل من مرحلة إلى أخرى.
واليوم، عندما نعود إلى أرشيف «الرياض»، لا نجد أعدادا قديمة فقط، بل نجد ذاكرة وطن؛ فخبر كان عاديا يوم نشره قد يصبح اليوم وثيقة، وصورة لشارع قديم تكشف حجم التغير، ومقال يعكس طريقة تفكير المجتمع في زمن معين، وكاريكاتير يختصر مزاج الناس وقضاياهم في خطوط قليلة.
كانت جريدة «الرياض» جزءا من حياة أجيال متعاقبة: قارئ ينتظر العدد، وكاتب ينتظر نشر مقاله، وصحفي يبدأ خطواته الأولى، وطفل يبحث عن كاريكاتير اعتاد أن يراه كل يوم.
أتذكر ذلك الطفل جيدا؛ لم يكن يعرف أن الصحيفة التي كان يقرأها من الخارج ستصبح يوما جزءا من حياته المهنية، وأن تلك الصفحات ستقوده إلى عالم الصحافة.
واليوم تتغير الوسيلة؛ فالقارئ لم يعد ينتظر الصحيفة عند باب منزله، إذ يصل إليه الخبر في اللحظة نفسها عبر المنصات الرقمية. لكن جوهر الصحافة لم يتغير؛ ما زال القارئ يريد الحقيقة والدقة والتحليل، وما زال يبحث عن الكلمة التي تضيف إلى معرفته.
لذلك، لا أرى العدد الورقي الأخير بوصفه نهاية، بل انتقالا إلى مرحلة جديدة. لقد أدى الورق مهمته، وترك وراءه ذاكرة لا تنتهي بانتهاء طباعته.
ستتغير الصفحات، وتتغير أدوات العمل، لكن «الرياض» ستبقى مطالبة بالبحث عن الحقيقة، والاقتراب من القارئ، وقراءة وطن يتغير كل يوم.
وختاماً، أدرك أن تلك الصفحات لم تكن مجرد ورق... كانت بداية حكاية ما زالت مستمرة.










































