اخبار الاردن
موقع كل يوم -سواليف
نشر بتاريخ: ٢١ أذار ٢٠٢٦
لا تخافوا ولا تحزنوا – ماجد دودين
يقول الله تعالى:((أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)' [سورة المؤمنون: 115-116] ويقول تعالى:((إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ )) سورة القمر: 49
ما من شيء في العالم خلقه الله سبحانه عبثًا، بل خُلِق لغاية وقدرٍ محتوم. فكل شيء يأتي في وقته المحدد، ويتخذ شكلاً وهيئة معينة، ويتطور إلى أقصى حد له، ويبقى لمدة معينة، ثم يضمحل ويموت في وقته المحدد. وحتى وفقًا لهذا المبدأ الكوني، فإن لهذا العالم أيضًا قدرًا محتومًا يسير وفقه حتى وقت محدد، وسينتهي في وقت محدد. فهو لن ينتهي قبل وقته المحتوم للانتهاء بلحظة، ولن يبقى لحظة أطول من ذلك؛ ولم يكن موجودًا منذ الأزل ولن يبقى إلى الأبد، وليس هو لعبة طفل يعبث بها فيدمرها متى شاء.
في عالمٍ يطغى عليه الخوف في كثير من الأحيان – الخوف من الحروب، والانهيار البيئي، والمستقبلٍ المجهول، فإنّ من المهم للمؤمن أنْ يعود إلى مصدر الطمأنينة الذي لا يخذله أبدًا: الثقة بالله تعالى، والاهتداء بهدي الإسلام. فكثير مما يُتداول اليوم يتحدث عن الدمار…وعن الحروب النووية، والتغير المناخي الذي لا رجعة فيه، ونهاية الحياة على الأرض. ولكن حين نرجع إلى تعاليم ديننا الحنيف، نجد رسالةً حكيمة شافية شاملة مليئةً بالأمل، والتوازن، والحكمة الإلهية، وليس اليأس ولا القنوط.
إنّ الإسلام يعلّمنا أن هذا الكون ليس متروكًا للفوضى، ولا خاضعًا لإرادة البشر وحدهم، بل هو تحت تدبير الله الكامل، الرحمن الرحيم، القادر على كل شيء. فلا سلاح – مهما بلغ من قوة – ولا فعل بشري مهما اتسع يمكنه أن يتجاوز قدر الله وقدرته. فما كتبه الله كائن لا محالة، لا يقدَّم ولا يؤخَّر.
وقد ورد في السنة النبوية الشريفة، وفي كلام علمائنا، تصويرٌ لمستقبلٍ تملؤه الخيرات والبركات، حيث تعمّ الوفرة ويزيد الرزق حتى يفيض عن حاجة الناس، ويعود التوازن إلى الأرض بصورةٍ مدهشة.
فقد ذُكر في كتب التراث أن زمنًا سيأتي تُخرج فيه الأرض بركاتها بسخاء؛ فتتحول الصحاري إلى جناتٍ خضراء، وتجري الأنهار بوفرة، وينزل المطر بانتظامٍ ورحمة. تمطر السماء ليلًا، وتشرق الشمس صباحًا، في صورةٍ بديعة من الانسجام بين عناصر الكون. وهذه الصور لا تدل على فناء البيئة، بل على تجددها وعودة الرحمة الإلهية فيها.
ومن أبهى ما ذُكر أن حبّة الرمان الواحدة تكفي جماعةً من الناس. وليس المقصود الحجم فحسب، بل البركة التي يضعها الله في الرزق، حتى يغدو القليل كثيرًا.
وفي الحديث الصحيح ((…. ثمَّ يقالُ للأرضِ: أنبِتي ثمرتَكِ، وردِّي برَكَتَكِ، فيومئذٍ تأكلُ العصابةُ منَ الرِّمَّانةِ، فتُشبعُهُم، ويستظلُّونَ بقِحفِها، ويبارِكُ اللَّهُ في الرِّسْلِ حتَّى إنَّ اللِّقحةَ منَ الإبلِ تَكْفي الفِئامَ منَ النَّاسِ، واللِّقحةَ منَ البقرِ تَكْفي القبيلةَ، واللِّقحةَ منَ الغنمِ تَكْفي الفخِذَ)) إنها صورة لعالمٍ يسوده الاكتفاء، والأمن والأمان والسلام، وتطمئن فيه القلوب، وتزول فيه مظاهر الندرة.
كما تشير هذه الأوصاف إلى عودة الخضرة والنماء وازدهار الحياة النباتية، مما يدل على بيئةٍ سليمة ومتوازنة. فالأشجار تنمو قويةً باسقة، وتستعيد الأرض عافيتها، وتزدهر الحياة من جديد. وهذا لا يكون إلا في ظل رحمة الله وفضله.
أما من يخشون الحروب العالمية، أو انفجار القنابل النووية، أو انتشار المجاعات، فإن الإسلام يطمئنهم بأن الأمور كلها بيد الله. نعم، قد تقع ابتلاءات، لكنها لا تخرج عن حكمته ورحمته. فلا ينبغي للخوف أن يسيطر على القلوب، بل يُستبدل بالتوكل الصادق على الله.
فالله هو الحفيظ، وهو الوكيل، له سبحانه كل صفات الجلال والكمال والجمال، ومن فوّض أمره إليه وجد طمأنينةً لا تهتز أمام تقلبات الدنيا. فالمستقبل ليس بيد قوى الأرض ولا أسلحتها، بل بيد خالقها ومدبرها.
لذلك، بدل الانشغال بالخوف مما قد يحدث، يتجه المؤمن إلى ما ينفعه: الإكثار من ذكر الله تعالى، والاستغفار، وتقوية الصلة به سبحانه. فهذه هي مفاتيح السكينة الحقيقية. ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[الرعد: 28] فليطمئن القلب: إن ما هو آتٍ بإذن الله يحمل الخير. وحتى في أوقات الغموض والاضطرابات والأزمات، يبقى المؤمن ثابتًا، واثقًا بأن الله لا يقدّر شيئًا إلا وفيه حكمة، ولا يجري أيّ أمر من الأمور إلاّ وفي طيّاته خيرٌ أعظم.
فكن من الذاكرين الله كثيرًا، ومن المستغفرين، ومن المتوكلين عليه حق التوكل. ولا تدع مخاوف الدنيا تطغى على يقينك برب الكون. فإن الله حسبنا ونعم الوكيل، ومعه مستقبلٌ أجمل مما نتخيل.
يُخبِرُ التابِعيُّ الوَليدُ بنُ عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ يقول: دَخَلتُ على عُبادةَ، وهو مَريضٌ أتخايَلُ فيه المَوتَ، فقُلْتُ: يا أبتاه، أَوصِني واجتهِدْ لي، فقال: أجلِسوني، فلمَّا أجلَسوه قال: يا بُنَيَّ، إنَّكَ لنْ تَطعَمَ طَعمَ الإيمانِ، ولنْ تَبلُغَ حَقَّ حَقيقةِ العِلمِ باللهِ حتى تُؤمِنَ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه، قال: قُلْتُ: يا أبتاه، وكيف لي أنْ أعلَمَ ما خَيرُ القَدَرِ مِن شَرِّه؟ قال: تَعلَمُ أنَّ ما أخطَأَكَ لم يَكُنْ ليُصيبُكَ، وما أصابَكَ لم يَكُنْ ليُخطِئُكَ، يا بُنَيَّ، إنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللهُ القَلمُ، ثُمَّ قال: اكتُبْ، فجَرى في تلك السَّاعةِ بما هو كائنٌ إلى يومِ القِيامةِ، يا بُنَيَّ، إنْ مِتَّ ولستَ على ذلك دَخَلتَ النَّارَ. خلاصة حكم المحدث: صحيح
كان الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم يُعلِّمونَ أبناءَهم ومَن بَعدَهم أُمورَ العَقيدةِ ومَسائِلَها؛ حتى يَكونَ الإيمانُ في قُلوبِهم على أكمَلِ وَجْهٍ، لا يَشوبُه مِن أمراضِ القُلوبِ شَيءٌ.وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ التابِعيُّ الوَليدُ بنُ عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ أنَّه دَخَلَ على أبيه وهو مَريضٌ، وظَنَّ أنَّ مَرَضَه هذا هو مَرَضَ المَوتِ، فطَلَبَ مِن أبيه أنْ يُوصيَه ويَجتَهِدَ في تلك الوَصيَّةِ، والمُرادُ بالاجتِهادِ أنْ يُقدِّمَ ويَبلُغَ في وَصيَّتِه أفضَلَ ما عِندَه، فأمَرَهم عُبادةُ رَضيَ اللهُ عنه أنْ يُساعِدوه على الجُلوسِ، ثم قال: 'يا بُنَيَّ، إنَّكَ لن تَطعَمَ طَعمَ الإيمانِ' بمَعنى: إنَّكَ لن تَجِدَ طَعمَ حَقيقةِ الإيمانِ وكَمالَه ولَذَّتَه في القَلبِ، 'ولن تَبلُغَ حَقَّ حَقيقةِ العِلْمِ باللهِ' ولَعَلَّ المُرادَ كَمالُ الإيمانِ باللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّه لا يَكتَمِلُ عِلْمُه باللهِ عِلْمًا مُؤَكَّدًا يَقينيًّا في قَلبِه 'حتى تُؤمِنَ بالقَدَرِ، خَيرِه وشَرِّه' والقَدَرُ: عِلْمُ اللهِ الأزَليُّ، المُحيطُ بِمَقاديرِ الأشياءِ وأحوالِها، والمُرادُ: الاعتِقادُ بأنَّ اللهَ قَدَّرَ الخَيرَ والشَّرَّ قَبلَ خَلْقِ الخَلائِقِ، وأنَّ جَميعَ الكائِناتِ مُتَعلِّقةٌ بقَضاءِ اللهِ، مُرتَبِطةٌ بقَدَرِه، وأنَّ اللهَ قد عَلِمَ بعِلْمِه الأزَليِّ مَقاديرَ كُلِّ شَيءٍ، وما سَيَكونُ، وكَتَبَه في اللَّوحِ المَحفوظِ، ويَسَّرَ كُلَّ مَخلوقٍ لِمَا خُلِقَ له. فسألَ الوَليدُ أباه عُبادةَ رَضيَ اللهُ عنه عن تَمييزِه خَيرَ القَدَرِ مِن شَرِّه، فأخبَرَه عُبادةُ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ ما تَجاوَزَه مِنَ النِّعمةِ والبَلاءِ وتَعَدَّاه إلى غَيرِه لم يَكُنْ لِيَتَعَدَّاه ويأتيَه، وما وَقَعَ له مِن نِعمةٍ أو بَلاءٍ لم يَكُنْ لِيَجاوَزَه ويَذهَبَ إلى غَيرِه، ثم أخبَرَ عُبادةُ ابنَه بحَديثِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وفيه: 'إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللهُ القَلَمُ' وهو أداةُ الكِتابةِ لِلمَقاديرِ التي يأمُرُه اللهُ بِها، 'ثم قال: اكتُبْ. فجَرى في تلك الساعةِ بما هو كائِنٌ إلى يَومِ القيامةِ' أيْ أنَّ اللهَ أمَرَه أنْ يَكتُبَ مَقاديرَ كُلِّ شَيءٍ في الكَونِ بالطَّريقةِ والكَيفيَّةِ التي أمَرَه اللهُ أنْ يَكتُبَ بها ما أرادَ اللهُ إيجادَه إلى يَومِ القيامةِ، 'يا بُنَيَّ، إنْ مِتَّ ولستَ على ذلك' على غَيرِ تلك العَقيدةِ، كان ذلك سَبَبًا في دُخولِكَ النارَ. وفي الحَديثِ: بَيانُ العَقيدةِ الصَّحيحةِ في الإيمانِ بالقَدَرِ. وفيه: الحَثُّ على التَّوكُّلِ على اللهِ تعالَى، والرِّضا بقَدَرِه، ونَفيِ الحَولِ والقُوَّةِ إلَّا به تعالَى، ومُلازَمةِ القَناعةِ، والصَّبرِ على المَصائِبِ.












































