اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٧ أيلول ٢٠٢٦
جدة - الثقافي
قبل ظهور أجهزة التكييف الحديثة، طوّر البنّاؤون والحرفيون في جدة حلولًا معمارية تتلاءم مع طبيعة المدينة الساحلية وما يصاحب صيفها من حرارة ورطوبة، مستفيدين من تخطيط المباني والأزقة والعناصر الخشبية في تهيئة بيئة أكثر ملاءمة للسكان والمارة، ضمن خبرة تراكمت عبر أجيال وظهرت بوضوح في تفاصيل المدينة القديمة.
ويبرز هذا التكيف في النسيج العمراني لجدة التاريخية، حيث تتقارب المباني وتضيق الأزقة، فيما تنتشر السقائف والممرات المظللة في تكوين مدروس أسهم في الحد من التعرض المباشر لأشعة الشمس خلال ساعات النهار. كما أتاح هذا التقارب الاستفادة من الظلال التي تلقيها المباني على بعضها وعلى طرق المشاة، ما جعل الحركة داخل الأزقة أقل تعرضًا للشمس مقارنة بالمساحات المفتوحة.
ولم تكن هذه العناصر تعمل بصورة منفصلة، بل جاءت ضمن منظومة عمرانية متكاملة، كان لكل جزء فيها دور يرتبط بظروف المناخ المحلي. فالسقائف والممرات المظللة وفرت مساحات محمية نسبيًا من الشمس، فيما ساعد ضيق الأزقة وتقارب الكتل العمرانية على زيادة مناطق الظل وتقليل تعرض الواجهات والممرات للأشعة المباشرة.
وتكاملت هذه المنظومة مع الرواشين الخشبية، التي تعد من أبرز السمات البصرية والمعمارية لجدة التاريخية. ولم يقتصر دور الرواشين على تشكيل واجهات المنازل وإكسابها طابعًا مميزًا، إذ ساعد تصميمها على تنظيم دخول الضوء والهواء إلى الداخل، مع توفير قدر من الخصوصية للسكان.
كما أسهم بروز الرواشين عن واجهات المباني في زيادة مساحات الظل، وتقليل وصول أشعة الشمس المباشرة إلى الجدران والممرات المحيطة، لتصبح بذلك عنصرًا يجمع بين الوظيفة المعمارية والجمال البصري، ويعكس فهمًا عمليًا لطبيعة المناخ الذي تعيشه المدينة.
وإلى جانب التخطيط العمراني والعناصر الخشبية، اعتمد البناؤون على مواد محلية من أبرزها الحجر المنقبي والأخشاب، وجرى توظيفها ضمن تصميم يراعي الظروف المناخية لجدة، ويحقق درجة من التكامل بين مواد البناء وحركة الهواء ومسار الشمس وطبيعة النسيج العمراني.
ويكشف هذا التداخل بين المواد والتخطيط والعناصر المعمارية عن أسلوب بناء لم يكن قائمًا على الشكل وحده، بل على الاستفادة من خصائص المكان والبيئة. ومن هنا تحولت الأزقة الضيقة والرواشين والسقائف والممرات المظللة إلى أجزاء مترابطة تؤدي أدوارًا متكاملة في تخفيف آثار المناخ على السكان والمباني.
وفي الوقت نفسه، أسهمت هذه العناصر في تشكيل الهوية البصرية المميزة للمدينة القديمة، بما جعل العمارة في جدة التاريخية تجمع بين الوظيفة والجمال، وتقدم نموذجًا يوضح قدرة العمارة التقليدية على الاستجابة للبيئة من خلال حلول بسيطة في ظاهرها، لكنها مترابطة في تكوينها وتأثيرها.
وتبقى هذه التفاصيل شاهدًا على خبرة البنّائين والحرفيين في جدة وقدرتهم على فهم البيئة المحلية والتكيف معها، ضمن إرث معماري يحتضنه موقع 'جدة التاريخية، بوابة مكة'، المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 2014.
وفي امتداد لجهود صون هذا الإرث، تعمل وزارة الثقافة على إعادة إحياء جدة التاريخية في إطار الإستراتيجية الوطنية للثقافة ورؤية السعودية 2030، الهادفة إلى الحفاظ على التراث المادي وغير المادي وتعزيزه، وترسيخ مكانة المنطقة وجهة ثقافية سياحية رائدة تحتفي بتاريخها العريق.
وتسعى هذه الجهود كذلك إلى تقديم جدة التاريخية من خلال تجارب معاصرة تثري تجربة الزائر، وتحافظ في الوقت نفسه على ما تتميز به المنطقة من قيمة تاريخية ومعمارية، بما يدعم النمو الاقتصادي والثقافي ويعزز حضورها كإحدى أبرز الوجهات المرتبطة بالتراث العمراني في المملكة.










































