اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٧ تموز ٢٠٢٦
الرياض - رؤى مصطفى
لم تعد المطارات مجرد مرافق للنقل والسفر، بل أصبحت هذه الأماكن المترفقة فضاءات إنسانية وثقافية معقدة، تتقاطع فيها الحكايات والذكريات والانتظارات، وتولد في صالاتها أفكار ونصوص ومشروعات إبداعية. فبين بوابة مغادرة وأخرى للوصول، يعيش الإنسان حالة استثنائية غادر مكانه الأول، لكنه لم يدخل بعد إلى وجهته الجديدة، كأنه معلق بين زمنين وهويتين.
وفي هذه المساحة الانتقالية، يكتسب المطار معنى يتجاوز وظيفته المباشرة، ليصبح مكانًا للتأمل ومراقبة الآخرين ومراجعة الذات. ومن هنا ظهر ما يعرف بـ»أدب المطارات»، وهو مصطلح لا يقتصر على الكتب التي يشتريها المسافرون من مكتبات صالات السفر، بل يمتد إلى الأدب الذي يجعل من المطار والعبور والترانزيت والانتظار موضوعات سردية وفلسفية.
المطار بوصفه «لا - مكان»..
قدّم عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي مارك أوجيه مفهوم «اللا-مكان» لوصف الفضاءات المرتبطة بالحركة والإقامة المؤقتة، مثل: المطارات ومحطات النقل والفنادق والطرق السريعة، وهي أماكن لا تقوم عادة على تاريخ مشترك أو علاقات اجتماعية مستقرة، بقدر ما تحكمها التذاكر والوثائق والشاشات والتعليمات ومسارات العبور.
في المطار تتراجع الأدوار الاجتماعية اليومية، فلا أحد يعرف إن كان المسافر مديرًا أو معلمًا أو طبيبًا أو كاتبًا، بل تختصر هويته مؤقتًا في جواز سفر وبطاقة صعود ورقم بوابة، إنه مجرد «مسافر» بين آلاف المسافرين.
ولا يعني ذلك أن هويته تختفي، وإنما تخف وطأة الواجبات المرتبطة بها، وهذا التحرر المؤقت من ضغط الأدوار اليومية يمنح الذهن مساحة نادرة للتنفس، ويتيح للإنسان أن ينظر إلى حياته من مسافة أبعد، وأن يعيد التفكير في مشروعاته وعلاقاته وقراراته.
ومع أن المطار قد يبدو، وفق هذا التصور، فضاء محايدًا ومتشابهًا في مدن العالم، فإن الأدب يعيد إليه خصوصيته، فالمقعد المتكرر في صالات السفر قد يصبح في ذاكرة كاتب مكانًا لوداع أو اعتراف أو ولادة فكرة، والممر العابر قد يتحول إلى مسرح لمشهد لا ينسى.
معلّقون بين زمنين..
في صالة السفر، لا يكون الإنسان في وطنه حيث الروتين والواجبات اليومية، ولا في وجهته الجديدة حيث تنتظره الأعمال والمواعيد. إنه يقف في منطقة بينية، غادر فيها وضعه السابق، لكنه لم يستقر بعد في الوضع الجديد.
وفي هذا الفراغ قد تولد أكثر الأفكار جرأة وصدقًا؛ لأن المسافر يتحرر، ولو لساعات، من إيقاعه المعتاد، فلا شيء مطلوب منه سوى الانتظار، ولا طريق أمامه سوى التأمل في ما تركه خلفه وما ينتظره في الجهة الأخرى.
ويمنح هذا الانقطاع المؤقت عن الزمن المتتابع الكاتب أو المتأمل فرصة للنظر إلى حياته ومشروعاته من الأعلى، كما سينظر بعد قليل إلى الطرق والمدن من نافذة الطائرة، ومن هذه المسافة قد تبدو بعض المشكلات أقل تعقيدًا، وتتضح اختيارات ظلت غامضة، وتظهر أفكار حجبتها التفاصيل اليومية.
مسرح إنساني مكثف..
تبدو صالات السفر للكتّاب والفنانين والصحفيين مسرحًا إنسانيًا مكثفًا، تتقاطع فوقه مشاعر متناقضة في اللحظة نفسها، فعلى مقربة من بوابة واحدة، قد تتجاور دموع الفراق مع ضحكات اللقاء، وقلق المسافر للمرة الأولى مع هدوء من اعتاد الرحيل، ولهفة العائد بعد غياب مع ارتباك من يتجه إلى مستقبل لا يعرفه.
وكل مسافر يحمل قصة لا تظهر كاملة للآخرين؛ حقيبة قد تختزن سنوات، وجواز سفر يحمل آثار رحلات قديمة، ووجهة قد تكون بداية لحياة جديدة أو عودة إلى حياة سابقة. أما الكاتب، فيلتقط من الملامح والإيماءات والحوارات العابرة بذور شخصياته ومشاهده: يد تلوح خلف الحاجز، وطفل يراقب الطائرات، ومسافر يعيد قراءة رسالة قبل الإقلاع.
ولا يحتاج المبدع إلى معرفة القصص الحقيقية لكل هؤلاء؛ فالتفاصيل الناقصة هي التي تستفز الخيال وتدعوه إلى إكمال ما لا يعرفه، وصناعة احتمالات سردية حول كل وجه عابر.
فرصة الانتظار الإيجابي ..
أصبح الانتظار في الحياة المعاصرة عبئًا يسعى الإنسان إلى التخلص منه، فيملؤه بتصفح الهاتف والانتقال المتواصل بين التطبيقات. لكن الانتظار في المطار يكتسب طبيعة مختلفة، فهو وقت قسري لا يستطيع المسافر اختصاره، وفي الوقت نفسه يتقبله بوصفه جزءًا من الرحلة.
وفي هذه الساعات، قد يتحول الفراغ إلى ما يمكن تسميته «الانتظار الإيجابي»، حيث تهدأ حركة الإنسان، وتبدأ الأفكار المبعثرة في الانتظام بعيدًا عن ضغط الإنجاز الفوري.
وقد يبدو الملل في ظاهره حالة سلبية، لكنه يمنح الذهن أحيانًا مساحة للتجول بحرية، واستعادة صور وذكريات وأسئلة لم تجد وقتها وسط زحام الأيام، عندها تبدأ خيوط رواية في التشكل، أو تتضح زاوية مقال، أو يعيد الإنسان صياغة خطته الشخصية.
لكن هذه المساحة لا تظهر ما دام المسافر يملأ كل دقيقة بمثير جديد؛ فالإبداع يحتاج أحيانًا إلى لحظة لا يحدث فيها شيء، حتى يستطيع العقل أن يصغي إلى ما يحدث داخله.
مصطلح بين السوق والثيمة..
يحمل مصطلح «أدب المطارات» معنيين مختلفين، الأول: تجاري، ويشير إلى الروايات والكتب ذات الإيقاع السريع والحبكة المشوقة، التي تتناسب مع القراءة خلال ساعات الانتظار والرحلات الطويلة. وغالبًا ما تعتمد هذه الأعمال على الألغاز والمطاردات والفصول القصيرة، كما في روايات دان براون وجون غريشام، وعدد من الأعمال البوليسية لأجاثا كريستي.
غير أن وصف عمل ما بأنه «رواية مطار» يحمل أحيانًا نبرة تقلل من قيمته الأدبية، وكأن سهولة القراءة والتشويق يتعارضان مع الجودة. وهذه نظرة قابلة للمراجعة؛ فالانتشار الجماهيري لا ينفي القيمة الفنية، والكتاب القادر على جذب القارئ طوال الرحلة لا يكون بالضرورة عملًا سطحيًا.
أما المعنى الثاني: فهو موضوعي أو ثيماتي، ويشمل الأعمال التي تجعل من المطار أو الترانزيت أو العبور فضاء رئيسًا للسرد، وتناقش من خلاله الاغتراب والانتظار والمنفى والهوية والتحول. وفي هذه الأعمال لا يكون المطار متجرًا للكتاب، بل يصبح هو نفسه مادة للكتاب.
المطار بطلًا سرديًا..
تعد رواية «مطار» للكاتب آرثر هيلي، الصادرة عام 1968، من أشهر الأعمال التي جعلت المطار محورًا رئيسًا للحكاية، وتدور أحداثها في مطار خيالي بمدينة شيكاغو خلال عاصفة ثلجية، حيث تتشابك المشكلات التشغيلية مع الأزمات النفسية والعائلية للعاملين والمسافرين.
ولم يتعامل هيلي مع المطار باعتباره خلفية محايدة، بل قدّمه بوصفه مدينة مصغرة ذات نظام شديد التعقيد، تكشف كيف يمكن لقرار صغير أو خلل محدود أن يمتد أثره إلى حياة مئات الأشخاص.
وفي كتاب «أسبوع في المطار»، قدم الكاتب والفيلسوف ألان دو بوتون تجربة مختلفة، بعدما أمضى أسبوعًا في مطار هيثرو بوصفه كاتبًا مقيمًا. وقد التفت إلى تفاصيل المغادرين والقادمين والعاملين والحقائب وغرف الانتظار، ليحوّل المشاهد اليومية إلى تأملات في الحب والعمل والطموح والوحدة.
ويظهر العبور بوصفه حالة وجودية أيضًا في رواية «ترانزيت» للكاتبة الألمانية آنا زيغرس، وإن لم تجر أحداثها داخل مطار، إذ تدور حول لاجئين عالقين في مرسيليا زمن الحرب العالمية الثانية، ينتظرون التأشيرات وتصاريح الخروج. وفيها يصبح الترانزيت مصيرًا؛ فقد غادرت الشخصيات أوطانها، لكنها لم تصل إلى وجهاتها الجديدة.
تجليات عربية..
في الأدب العربي، لا يظهر «أدب المطارات» بوصفه تصنيفًا مستقلًا، لكنه يتجلى داخل أدب الرحلات والمنفى والهجرة والسير الذاتية، ويحضر المطار غالبًا بوصفه نقطة مواجهة بين الإنسان وهويته الرسمية، حيث يصبح جواز السفر والتأشيرة والأسئلة الأمنية عناصر تحدد إمكان الحركة والانتماء.
وتبرز رواية «بريد الليل» للروائية هدى بركات، بوصفها نصًا عن شخصيات معلقة بين أوطان مفقودة ووجهات غير مؤكدة، تحاول عبر الرسائل التعبير عن الفقد والتشرد والبحث عن مأوى إنساني، ولا يكون المطار هو الفضاء الوحيد للرواية، لكنه يحضر ضمن عالم من الأمكنة المؤقتة والعبور والاقتلاع.
كما تنتمي كتابات مريد البرغوثي عن المنفى والعودة والحدود، ولا سيما في «رأيت رام الله»، إلى أدب العبور الواسع، حيث لا تقاس المسافة إلى الوطن بالكيلومترات وحدها، بل بما تتركه الوثائق والحواجز والانتظار في النفس.
بين التأمل والتشويق..
لا يبحث جميع المسافرين عن النوع نفسه من القراءة، فهناك من يجد في الرحلة فرصة لنص نفسي أو فلسفي يساعده على التأمل، وهناك من يفضل رواية مشوقة تختصر عليه طول المسافة.
وفي منطقة التشويق، تبرز رواية «المضيفة» لكريس بوهجاليان، التي تبدأ بمضيفة طيران تستيقظ في غرفة فندق إلى جانب جثة رجل، لتجد نفسها داخل شبكة من الغموض والتحقيقات. كما تظل رواية «موت في السحاب» لأجاثا كريستي نموذجًا كلاسيكيًا للجريمة التي تستثمر ضيق الطائرة وعزلتها في بناء لغز بوليسي محكم.
وفي منطقة وسطى بين التشويق والعمق الإنساني، تظهر رواية «محطة أحد عشر» لإميلي سانت جون مانديل، حيث يتحول مطار متوقف عن العمل بعد انهيار العالم إلى مستوطنة بشرية صغيرة تحاول حماية ما تبقى من الفن والذاكرة والحضارة.
قبل أن تقلع الطائرة..
تكشف تجربة المطارات أن الإنسان لا يسافر بجسده وحده، بل تسافر معه ذاكرته وأسئلته وخياله. فالمطار ليس هادئًا، ولا يخلو من المشتتات، لكنه ينقل الإنسان مؤقتًا خارج عاداته، ويضعه أمام الزمن والغياب والاحتمال.
وبين نداء المغادرة وإغلاق بوابة الصعود، قد تولد جملة أولى لرواية، أو تتضح فكرة ظلت معلقة، أو يعيد مسافر النظر في حياته. وقد يكتشف قبل أن تقلع الطائرة، أن الرحلة الحقيقية بدأت في داخله.










































