اخبار مصر
موقع كل يوم -صدى البلد
نشر بتاريخ: ٢٢ أذار ٢٠٢٦
في واحدة من أكثر القصص العلمية إثارة، عاد حجر أزرق غامض إلى دائرة الضوء بعد أكثر من 30 عاما على اكتشافه، ليُعرض مجددا داخل أروقة متحف التاريخ الطبيعي في لندن، حاملا معه لغزا حير العلماء لعقود.
تعود القصة إلى عام 1980، حين اشترت الجيولوجية آنا غرايسون قطعة حجرية من كشك صغير بالقرب من مدينة فاس حينها، أكد البائع أن الحجر من معدن 'اللازورد' المعروف بلونه الأزرق، إلا أن شكوك غرايسون بدأت منذ اللحظة الأولى، بعدما لاحظت ظاهرة غريبة الحجر يغير لونه مع تغير زاوية النظر.
هذا التغير اللوني غير المعتاد دفع غرايسون للاحتفاظ بالعينة لسنوات، قبل أن تقرر عرضها خلال فعالية علمية مفتوحة داخل المتحف، حيث يُسمح للزوار بإحضار عيناتهم لفحصها.
هناك، لفت الحجر انتباه فريق من علماء المعادن، وعلى رأسهم العالم غوردون كريسي، الذي أدرك أن العينة لا تشبه أي معدن مألوف، لتبدأ رحلة تحليل علمي استمرت لأكثر من عام.
أمام هذا الغموض، لجأ العلماء إلى استخدام تقنيات تحليل متطورة، من بينها الأشعة السينية السنكروترونية، التي تتيح دراسة البنية الذرية للمواد بدقة فائقة ومع تعمق البحث، بدأت ملامح الحقيقة في الظهور.
المفاجأة كانت أن الحجر ليس معدنا جديدا كما اعتُقد في البداية، بل هو نوع نادر للغاية يُعرف باسم الأيرينيت.
تم اكتشاف الأيرينيت لأول مرة عام 1876، ويعود اسمه إلى كلمة يونانية تعني “السماء الزرقاء” ورغم قدم معرفته، فإن خصائصه الفريدة جعلته يبدو كأنه مادة جديدة تماماً.
تتكون العينة من ملايين الألياف البلورية الدقيقة جداً، التي تحتوي على أيونات الحديد بحالتين مختلفتين (Fe²⁺ وFe³⁺) هذا التكوين يسمح بانتقال الإلكترونات داخل الحجر، ما يؤدي إلى امتصاص الضوء بطرق مختلفة والنتيجة حجر يبدو عديم اللون أحيانا، وأزرق لامعا في أحيان أخرى، تبعاً لزاوية الرؤية، وهي الظاهرة التي حيرت العلماء في البداية.
بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود، عاد هذا الحجر ليكتسب أهمية علمية جديدة، إذ استخدمه فريق بحثي حديث لفهم التركيب الذري للأيرينيت بشكل أكثر دقة.
كما ساهمت هذه العينة في حل ألغاز عينات معدنية أخرى داخل المتحف، بل وأدت إلى تطوير أساليب تحليل حديثة تُستخدم حالياً في علوم المعادن.
تكشف هذه القصة كيف يمكن لاكتشاف بسيط أن يتحول إلى إنجاز علمي كبير فالعلم لا يبدأ دائماً في المختبرات المتقدمة، بل قد ينطلق من ملاحظة عابرة أو قطعة حجر اشتُريت من كشك متواضع.
واليوم، يمكن لزوار متحف التاريخ الطبيعي في لندن مشاهدة هذه العينة النادرة، التي أصبحت رمزاً لقصة علمية استثنائية انتهت داخل أحد أهم الصروح العلمية في العالم.


































