اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦
م. هاني الغفيلي
تبدأ الحكاية بكلمة (عاجل)، ثم تتبعها عبارة أنباء عن.. أو متداول.. أو غيرها من الكلمات التي تمرر خبرا لم يعرف حقيقته بعد، والأدهى أن بعض المحررين يكتفون بما وصلهم، من دون بذل جهد إضافي للتحقق من مصدره أو مراجعة تفاصيله، حتى يبدو تداول الشائعات وكأنه جزء من عملهم اليومي، فهل يستقيم الخبر الإعلامي بلا حقائق راسخة، وهل تمنحنا صيغة (أنباء..) مبررًا للنشر، أم أنها أصبحت ستارًا يرفع الحرج عن خبر قد يفتقر إلى المصداقية؟
من وجهة نظري، لا تكمن المشكلة في الصياغات لوحدها فقد تكون المعلومات أولية، ويُوضَّح للجمهور ما نعرفه وما لا نعرفه، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الكلمات إلى غطاء لغوي لتمرير ادعاء غير مؤكد، أو حين تسبقها كلمة (عاجل) لتمنحها وهجًا إضافيًا، فالاستعجال لا يصنع حقيقة، وكثرة تداول الخبر لا تثبت صحته، بل قد تكشف فقط عن سرعة انتشاره.
لقد اختلطت في فضائنا الإعلامي الأخبار بالشائعات، والوقائع بالتأويلات، والمصادر المعروفة بالحسابات المجهولة، ولم يعد هذا الخلط حبيس مجموعات التواصل، بل قد يمتد إلى منصات وقنوات وجهات يُفترض أن المصداقية ركيزتها الأولى، ولا أقول إن الخطأ لا يقع، فهو وارد في أي عمل مهني، لكن الفارق كبير بين خطأ يُصحح بشفافية، وخبر يُنشر بلا تحقق ثم يُترك بلا توضيح، أو يُبرر بعد انكشافه أنه كان مجرد (أنباء متداولة).
وتتضاعف المسؤولية مع اتساع البيئة الرقمية، ففي المملكة، يذكر تقرير هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية لعام 2025 أن 61.3 في المئة من مستخدميه يقضون سبع ساعات أو أكثر يوميًا على الشبكة، كما وصل استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي إلى 45.2 في المئة، وهذه الأرقام لا تقيس الشائعات بذاتها، لكنها ترسم حجم المساحة التي تتحرك فيها المعلومة، وسرعة وصولها، واتساع فرص إعادة إنتاجها وتداولها.
وعلى مستوى البلدان العربية التي شملها مؤشر الرأي العربي لعام 2025، قال 41 في المئة من مستخدمي منصات التواصل إنهم يثقون بالأخبار والمعلومات المتداولة فيها، مقابل 59 في المئة لا يثقون بها، فيما أظهر تقرير معهد رويترز لعام 2025 أن 58 في المئة من المشاركين عالميًا يقلقون من صعوبة التمييز بين الصحيح والزائف على الإنترنت، وأن سبعة في المئة يستخدمون روبوتات الذكاء الاصطناعي للحصول على الأخبار أسبوعيًا، وترتفع النسبة إلى 15 في المئة بين من هم دون الخامسة والعشرين.
أما الذكاء الاصطناعي، فقد فتح أبوابًا واسعة لإنتاج النصوص والصور والتسجيلات ومقاطع الفيديو بسرعة وإقناع، وأصبح بالإمكان أن تبدو المادة المصطنعة كأنها توثيق حقيقي، وفي مؤشر محلي، أظهر ملخص دراسة لجامعة ملبورن وKPMG لعام 2025 أن 68 في المئة من المشاركين في السعودية غير متأكدين من إمكانية الوثوق بالمحتوى المنشور على الإنترنت لاحتمال أن يكون مولدًا بالذكاء الاصطناعي، وهي نسبة تضع سؤال التحقق أمامنا بوضوح أكبر.
لا أرى أن الحل في التخلي عن السرعة أو التقنيات، بل في ألا تسبق السرعة الحقيقة، وألا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى مصدر بلا مراجعة بشرية، وألا تصبح كلمة (متداول) تصريحًا مفتوحًا للنشر، فالإعلامي مسؤول عن السؤال قبل المشاركة، والمؤسسة مسؤولة عن حماية ثقة جمهورها، والجمهور شريك حين يتوقف لحظة قبل إعادة الإرسال، لأن الخبر الذي لا تسنده حقيقة قد يشعل قلقًا، ويضر بسمعة، ويضلل مجتمعًا، أما الخبر الموثوق، حتى إن تأخر قليلًا، فيمنح الناس ما يحتاجونه فعلًا، معرفة تستحق أن تُصدّق.










































