اخبار الاردن
موقع كل يوم -سواليف
نشر بتاريخ: ٤ أيلول ٢٠٢٦
#سواليف
تحولت مرتفعات علي الطاهر المشرفة على مدينة النبطية في جنوب لبنان إلى 'صندوق أسود' مغلق بالكامل، يلف مصيره الغموض العسكري، وتتضارب حوله السرديات الميدانية والسياسية بشكل واسع.
وجاء هذا الغموض بعدما أعلنت القيادة الأمنية في تل أبيب عن مقتل معظم عناصر حزب الله وضباط الارتباط الإيرانيين المحاصرين في باطن التلة، والمتحصنين داخل شبكة معقدة من الأنفاق والمنشآت تحت الأرض المعزولة.
وفي المقابل، تواصل القوات الإسرائيلية فرض حصار ناري خانق على المحيط، مانعةً في الوقت عينه أي كشف ميداني لبناني مستقل أو دخول للجان التحقق، لتبقى هذه التلال عقدة الصراع الكبرى التي يُدير من خلالها كل طرف استراتيجيته لفرض شروط 'اليوم التالي' في المفاوضات.
وتؤكد التقارير العسكرية الإسرائيلية أن المنطقة أصبحت في حكم 'الساقطة عسكريًا'، حيث تسيطر القوات الإسرائيلية بالنار والمسيرات على كافة المداخل والمخارج.
كما تؤكد مصادر رسمية لبنانية أن أحدث المعطيات المتوفرة تشير إلى أن حزب الله يواجه هذه الرواية الإسرائيلية بتكتيك 'التعتيم المطبق' والصمت العملياتي، حيث تعتبر قيادة الحزب أن الترويج الإسرائيلي لنفاد الطعام والمياه أو مقتل من في داخل الأنفاق يحمل غايات استخباراتية واضحة.
ووفقًا للمصادر اللبنانية التي تحدثت لـ'إرم نيوز'، فإن الموقع لم يشهد تقدمًا بريًا إسرائيليًا مباشرًا لاقتحام باطن التلة، والتي تضم منشأة استراتيجية يزيد عمقها على خمسين مترًا تحت الأرض.
وتشير المصادر إلى أن تلة علي الطاهر تحولت من مجرد نقطة جغرافية إلى محور اشتباك سياسي دولي يتصل مباشرة بـ'مفاوضات روما' والاتفاق الإطاري.
وكانت تقارير إعلامية تحدثت في وقت سابق عن تفاصيل العرض الذي نُقل في الكواليس إلى الدولة اللبنانية، حيث طرح الجانب الإسرائيلي والأميركي تسليم مرتفعات علي الطاهر إلى الجيش اللبناني، بالتنسيق مع لجنة 'الميكانيزم' والتحقق الدولية، كمنطقة تجريبية لتطبيق الترتيبات الأمنية.
لكن هذا الطرح قوبل برفض قاطع من الدولة اللبنانية ومن قيادة حزب الله، إذ اعتبرت بيروت أن فرض شروط أمنية جديدة شمال نهر الليطاني تحت النار يُعد خرقًا فاضحًا للسيادة اللبنانية وتعديلًا جغرافيًا للقرار 1701.
وأشارت المصادر إلى أن إطلاق حزب الله لمسيّرات مفخخة مؤخرًا باتجاه تجمعات الجنود الإسرائيليين في محيط علي الطاهر، جاء كرسالة ميدانية بالنار لإحباط سردية السقوط العسكري، وللتأكيد على أن الحزب لن يسمح بجعل التلة ورقة مساومة لانتزاع شروط نزع السلاح شمال الليطاني.
ويرى المحلل السياسي جمعة سليمان النسعة أنأحد أبرز علامات الاستفهام المحيطة بـ'الصندوق الأسود' لعلي الطاهر يتعلق بالموقف الإيراني، فقد سبق لطهران وصقور الحرس الثوري أن أطلقوا تهديدات واضحة ومباشرة بمهاجمة إسرائيل في حال جرى استهداف أو اقتحام هذه المنشأة الحيوية التي تمثل مركز أعصاب خطوط الدفاع الحليفة.
ويشير في حديث لـ'إرم نيوز' إلى أنه، ورغم الإعلانات الإسرائيلية المتكررة عن محاصرة وتصفية المستشارين الإيرانيين في باطن التلة، لم تترجم طهران تهديداتها على الأرض، وذلك لعدة أسباب بنيوية، أولها ترشيد الأوراق والحسابات المعقدة للمفاوضات.
ويضيف أن طهران تعيش مرحلة ترشيد قاسية لأوراقها الاستراتيجية، فالدخول الإيراني المباشر في حرب واسعة من أجل موقع عسكري واحد، مهما بلغت رمزيته، قد ينسف قنوات التفاوض الإقليمية والدولية الحساسة التي تسعى إليها الدبلوماسية الإيرانية، مثل مساعي التهدئة والعودة للمفاوضات في أستانا أو إسلام آباد.
وبناءً على ذلك، فإن إيران تفضل إبقاء الجبهة اللبنانية كعنصر ضغط موضعي، لا كفتيل لحرب إقليمية شاملة ضدها بشكل مباشر.
ويكمن ثاني هذه الأسباب في استراتيجية الغرق في تفاصيل الأنفاق، إذ يؤكد المحلل النسعة أن طهران تدرك تمامًا طبيعة حرب العصابات تحت الأرض، فالأنفاق المحصنة صُممت لتقاتل وتصمد بحد ذاتها دون الحاجة لغطاء جوي أو تدخل خارجي مباشر.
وتراهن إيران على أن طول أمد الحصار الإسرائيلي، واستنزاف قوات النخبة الإسرائيلية عبر الكمائن المفخخة المصممة داخل باطن الأرض، كفيل بإفشال المخطط الإسرائيلي برمّته دون الحاجة إلى تدخل إيراني مباشر.
وهكذا تظل مرتفعات علي الطاهر مغلقة أمام الحقيقة الميدانية الكاملة، وإلى أن ينجح الجيش اللبناني أو لجان التحقق الدولية في اختراق هذا الحصار وإجراء كشف ميداني مستقل، سيبقى هذا الموقع بؤرة صراع بين السطح وباطن الأرض، حيث تسعى إسرائيل لكتابة بنود تسوية تفرض نزع سلاح حزب الله، بينما يقاتل الأخير لإثبات أن استراتيجية الأنفاق لا تزال قادرة على كسر الحصار الناري وتغيير المعادلات العسكرية للجنوب.












































