اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٨ كانون الثاني ٢٠٢٦
د. سعود المريشد
يأتي إعلان هيئة السوق المالية نيتها فتح السوق أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب كخطوة استراتيجية وتعكس ثقة متنامية في متانة الاقتصاد الوطني واستقراره التشريعي؛ هذا التوجه يصب في صميم أهداف برنامج تطوير القطاع المالي ضمن رؤية 2030، ويعد امتداداً لمسار التحولات الهيكلية التي تهدف إلى تعميق قاعدة السوق المالية وتعزيز كفاءتها ورفع مستوى تنافسيتها عالمياً؛ فالانفتاح على رأس المال الأجنبي ليس مجرد قرار مالي، بل مؤشر على الرغبة في إعادة موضعة السوق السعودي داخل المنظومة الاستثمارية الدولية، وفق معايير أكثر حيوية وتحرراً.
بيد أن المتابع للمشهد الراهن لسوق الأسهم، يجد أنه «متقلب» ويبرز مفارقة لافتة بين طموح الانفتاح وواقع الثقة فيه، أخذاً في الاعتبار، أن نجاح هذا الانفتاح بالطبع لا يقاس بحجم تدفق الأموال الأجنبية في بدايته، بل في اعتقادي بمدى جاهزية السوق لاستقبال هذه الأموال بثقة واستدامة؛ فالتحدي الحقيقي يكمن في البيئة المؤسسية للشركات المدرجة، ومدى التزامها الفعلي بمعايير الحوكمة والإفصاح والشفافية؛ إذ لا يزال السوق السعودي في مرحلة توازن دقيقة بين طموح التوسع وانضباط الممارسات، فلا زالت على سبيل المثال بعض الشركات العائلية مستمرة في إدارة أموال عامة بذهنية خاصة، ما يقوض مبادئ الحوكمة ويضعف الرقابة الفعلية؛ فالمستثمر الأجنبي، قبل أن يقرأ القوانين، يقرأ سلوك الشركات، ويقيس ثباتها المؤسسي بقدرتها على تطبيق أفضل الممارسات الدولية لا بمجرد الإعلان عنها.
كما أن متطلبات ثقة المستثمر الأجنبي تتجاوز الإطار التنظيمي لتشمل جودة وكفاءة أداء الشركات القيادية في القطاعات الحيوية كالبتروكيماويات والبنوك والتأمين؛ فضعف الأداء، أو أزمات السيولة، أو تراجع الأرباح، أو اضطراب السياسات التوسعية كلها مؤشرات تؤثر في شهية الاستثمار الخارجي، وبالتالي فإن الرسالة الموجهة إلى رأس المال العالمي ستبقى «ملتبسة»؛ ومن دون تحسين بيئة الأداء المؤسسي، سيظل فتح السوق خطوة شكلية أكثر منها تحولاً جوهرياً؛ ومن هنا، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لمدى قابلية السوق لاستيعاب الانفتاح بما يحافظ على استقراره ويعزز جاذبيته، ويحول التوجه من إجراء تنظيمي إلى تجربة استثمارية ناضجة وموثوقة.
خطوة هيئة السوق المالية بإعلانها نية فتح السوق أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب تشير إلى توجه استراتيجي متسق مع التحولات التي يشهدها الوطن في هذا العهد الميمون في مساره الاقتصادي الطموح؛ فالقرار يحمل في مضمونه رغبة في تعزيز سيولة السوق، ورفع كفاءة التسعير، وتوسيع قاعدة الملكية المؤسسية بما ينعكس إيجاباً على عمق السوق واستقراره على المدى البعيد؛ غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في فتح الباب، بل في قدرة البيئة الاستثمارية المحلية على استثمار هذا الانفتاح بما يعزز ثقة المستثمر الأجنبي، ويقنعه بأن السوق السعودي ليس مجرد ساحة مضاربة، أو منصة للشركات غير الصلبة، بل بيئة ناضجة تراهن على الحوكمة والشفافية والنمو المستدام؛ ولهذا نقول إن جوهر التحدي أمام هيئة السوق والجهات الاقتصادية المعنية لا يتمثل في توسيع نطاق الملكية الأجنبية فحسب، بل في بناء سوق تستحق هذا الانفتاح، وتستند إلى معطيات حداثة البيئة، وشفافية التقرير، واستقلالية القرار، وموثوقية الحوكمة، بما يترجم طموح الرؤية من انفتاح في الشكل إلى جذب في الجوهر.










































