اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ١٩ أذار ٢٠٢٦
من بين دروس الحرب الراهنة في السودان، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: هل يمكن للدولة أن تستعيد عافيتها في ظل تعدد الجيوش؟
هذا السؤال يقود مباشرة إلى سؤال جوهري آخر: كيف نجعل هذه آخر حروب السودان؟
في هذا السياق تأتي أهمية التصريحات الأخيرة للفريق ياسر العطا، عضو مجلس السيادة، مساعد القائد العام للقوات المسلحة، التي أعلن فيها أن المرحلة المقبلة ستشهد دمج جميع القوات المساندة داخل القوات المسلحة والمؤسسات النظامية الأخرى، بما في ذلك قوات الشرطة وجهاز المخابرات العامة.
وأوضح أن الدمج سيشمل كل القوات المساندة التي قاتلت إلى جانب الجيش في الحرب الراهنة من دون استثناء، وأن آليات عملية الدمج سوف تفعّل قريباً، وستتم وفق المعايير المهنية والضوابط العسكرية المعتمدة، مع توفير برامج للتدريب المهني وإعادة التأهيل المدني لمن لا يرغبون في الاستمرار في العمل العسكري.
وعلى الرغم من أن الفريق ياسر العطا تحدث عن موافقة كل قادة هذه القوات على الدمج، فإن ذلك لا يلغي أن العملية لن تكون سهلة وستواجه تحديات وعراقيل طبيعية أو مفتعلة. فبعض قيادات الحركات قد لا تكون متحمسة لفقدان سلاحها الذي تراه مصدر نفوذها، ما يفتح الباب أمام مقاومة صامتة أو معلنة لعملية الدمج.
لقد دفع السودان ثمناً باهظاً لتعدد الجيوش، وأثبتت التجربة أن بناء دولة مستقرة يمر حتماً عبر توحيد السلاح تحت مظلة وطنية واحدة. وسيادة الدولة وشرعيتها لا تكتملان إذا كانت السلطة متنازعة بين جماعات مسلحة متعددة تتحكم في الأرض والسلاح. فالدولة الحديثة تقوم على مبدأ أساسي: احتكار العنف المشروع، ومن دونه تضعف مؤسسات الحكم، وتتراجع هيبة القانون، وتتآكل ثقة المواطنين والمجتمع الدولي.
كما أن تعدد الفصائل المسلحة يغذي الصراعات، ويجعل أي سلام هشاً وقابلاً للانهيار. في المقابل، فإن دمج المقاتلين ضمن مؤسسات الدولة يقلل من التشرذم، ويضع حداً لاقتصادات الحرب، ويمنح اتفاقيات السلام فرصة حقيقية للاستمرار.
ولا يقتصر الأمر على الأمن فحسب، بل يمتد إلى بناء جيش مهني حديث. فعملية الدمج يمكن أن تكون مدخلاً لإعادة التأهيل والتدريب، وفرض معايير موحدة، بما يحوّل المقاتلين من عناصر غير نظامية إلى أفراد محترفين يتمتعون بمسارات وظيفية واضحة ودخل مستقر، بدلاً من الاعتماد على اقتصاد الحرب غير الرسمي.
لكن هذا المسار، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُنفذ بشكل شامل من دون ضوابط. فليس كل المقاتلين مؤهلين للانضمام إلى الجيش، ما يستدعي أن تكون عملية الدمج مشروطة بمعايير صارمة تشمل التدريب، والتدقيق الأمني، والالتزام بحقوق الإنسان. أما غير المستوفين لهذه الشروط، فيجب إدماجهم في برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج في المجتمع.
ومن التحديات الجوهرية أيضاً ترسبات الشكوك المتراكمة التي عززها تاريخ طويل من المواجهات وخطابات الشحن والتأجيج. ومن دون دعم إجراءات بناء الثقة، قد تتحول عملية الدمج نفسها إلى مصدر توتر وانقسام داخل المؤسسة العسكرية.
إضافة إلى ذلك، فإن التحديات التقنية والعملية لدمج قوات ذات عقائد قتالية وولاءات متباينة، لا يمكن الاستهانة بآثارها المحتملة على تماسك القوات النظامية.
ولا يمكن إغفال البعد الاقتصادي، إذ إن بعض المقاتلين وقادتهم يستفيدون من اقتصاد الحرب، سواء عبر السيطرة على الموارد أو الأنشطة غير الرسمية. الانضمام إلى جيش نظامي قد يعني فقدان هذه الامتيازات، وهو ما يدفع البعض إلى مقاومة التغيير.
عملية دمج القوات هي المرحلة الأهم لعملية حصر السلاح في جيش واحد واحتكار العنف للدولة، لكن هناك خطوات أخرى مطلوبة لبسط سلطة الدولة. فمع الانتشار الواسع للسلاح في أيدي المواطنين أيضاً لا بد من سياسات فعالة لجمع السلاح طوعاً أو بقوة القانون، وربما من خلال برامج لشراء الأسلحة من الناس، بحيث لا يبقى هناك أي سلاح غير مرخص ولا مسجل وفقاً للمعايير والضوابط. فالسودانيون شكوا طويلاً من الانفلات الأمني وتصاعد ظاهرة استخدام السلاح الناري في عمليات السطو. وستكون لجمع السلاح السائب فوائد كبيرة ملموسة على استتباب الأمن، وفرض هيبة الدولة، وإحساس المواطن بالطمأنينة.
ورغم كل هذه التحديات، تبقى الحقيقة الأساسية واضحة: لا يمكن بناء دولة قوية في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة. لكن النجاح في بناء جيش وطني موحد لا يعتمد على القرار العسكري وحده، بل يحتاج أيضاً إلى تسوية سياسية شاملة تعالج جذور الصراعات، وقضايا الحكم وتقاسم الموارد والتمثيل.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى إنهاء حرب، بل إلى كسر حلقة ممتدة من دوامة الحروب والانقلابات والأزمات السياسية المزمنة، التي كلفته الكثير.












































