اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣١ أب ٢٠٢٦
خالد بن علي المطرفي
يقرر نظام حماية البيانات الشخصية في المملكة أن يرتبط جمع البيانات بغرض مباشر ومحدد، وأن يقتصر على الحد الأدنى اللازم، مع إحاطة صاحب البيانات بطريقة المعالجة والجهات التي قد تُفصح لها، وهذه المبادئ تعني أن الموافقة لا ينبغي أن تكون عبارة عامة مدفونة في وثيقة طويلة، خصوصًا عندما تتحول بيانات القيادة اليومية إلى أساس لقرار مالي قد يؤثر في الفرد لسنوات..
قيمة الذكاء الاصطناعي في تأمين السيارات ليست محصورة في قدرته على تحويل صور المركبة المتضررة إلى تقدير خلال أقل من دقيقتين، ولا بما يحققه من خفض في تكلفة بعض المطالبات، صحيح أن هذه نتائج مهمة، لكنها مرتبطة بسرعة الأداة وكفاءتها، لا عمق التحول الذي تُحدثه؛ لأن المسألة الأوسع هي أن الخوارزمية تعيد توزيع القرار والمسؤولية والثقة داخل منظومة التأمين كلها، بدءًا بمن يصف الضرر، ويحدد طريقة الإصلاح، ويقدّر التكلفة، ومن يملك حق الاعتراض؟
كانت المطالبة في صورتها التقليدية تنتقل بين أطراف متعددة، المؤمن له، ومقدّر الأضرار، وشركة التأمين، ومركز الإصلاح، ومورّد قطع الغيار، ولكل طرف بياناته وتفسيره ومصلحته، ولذلك تنشأ فجوات في التقدير، وتتكرر عمليات الإدخال والفحص، ويطول زمن التسوية، أما حين ترتبط صور الحادث بمواصفات المركبة وأسعار القطع وأوقات الإصلاح وسجل المطالبات ضمن مسار رقمي واحد، فالأمر يتجاوز تسريع الخطوات القديمة، إلى إعادة تصميم المطالبة لتصبح تدفقًا مستمرًا للبيانات، يمكن أن يبدأ لحظة وقوع الحادث.
يتيح هذا التحول فرز المطالبات البسيطة آليًا، واكتشاف الأجزاء المتضررة، والمفاضلة بين الإصلاح والاستبدال، وتوجيه الحالات المعقدة إلى المختصين، وتظهر بعض التقديرات التشغيلية إمكان خفض تكلفة المطالبة بأكثر من 17% وتقليص دورة معالجتها بأكثر من يومين، غير أن هذه الأرقام، على أهميتها، لا ينبغي أن تتحول إلى حكم عام قبل معرفة نوع المطالبات التي شملها القياس، وحجم العينة، وما إذا كانت الوفورات ناتجة من دقة التقدير أم من تقليص نطاق الإصلاح، فالرقم الذي لا نعرف مقامه قد يصف حالة ناجحة، لكنه لا يثبت كفاءة المنظومة بأكملها.
هنا يظهر الفارق بين الأتمتة والتحول المؤسسي، وربما تنجح الخوارزمية في إنتاج تقدير سريع، بينما تبقى الخلافات قائمة بسبب اختلاف بيانات مراكز الإصلاح، أو تأخر تحديث أسعار القطع، أو غياب تفسير واضح لقرار الاستبدال أو اعتبار المركبة خسارة كلية، ما يعني أن الذكاء الاصطناعي يمنح الخطأ مظهرًا أكثر ثقة وسرعة، ومن ثم، تصبح جودة البيانات وتوحيد تعريفاتها وتحديد المسؤول عن تحديثها جزءًا من عدالة المطالبة.
وتزداد المسألة تعقيدًا مع المركبات المتصلة التي تستطيع إرسال معلومات عن قوة الاصطدام والسرعة والكبح وموقع الحادث، وقد تفتح هذه البيانات المطالبة تلقائيًا، وتساعد على تقدير شدتها قبل وصول مركبة السحب، لكنها تخلط تدريجيًا بين ثلاث وظائف كانت منفصلة، وهي تسعير الخطر قبل إصدار الوثيقة، ومراقبة السلوك أثناء القيادة، وتسوية المطالبة بعد الحادث. وهنا يبرز السؤال: هل لأي غرض جُمعت البيانات، ومن يستطيع الوصول إليها، وكم تبقى محفوظة، وهل يجوز إعادة استخدامها لرفع السعر أو رفض المطالبة؟
ويقرر نظام حماية البيانات الشخصية في المملكة أن يرتبط جمع البيانات بغرض مباشر ومحدد، وأن يقتصر على الحد الأدنى اللازم، مع إحاطة صاحب البيانات بطريقة المعالجة والجهات التي قد تُفصح لها، وهذه المبادئ تعني أن الموافقة لا ينبغي أن تكون عبارة عامة مدفونة في وثيقة طويلة، خصوصًا عندما تتحول بيانات القيادة اليومية إلى أساس لقرار مالي قد يؤثر في الفرد لسنوات.
لذلك، يجب أن يكون القرار الآلي قابلًا للتفسير والاعتراض والتصحيح في الحالة الفردية، فضلًا عن بقاء المراجعة البشرية إلزامية في الأضرار الهيكلية، وقضايا السلامة والإصابات والمسؤولية، والحالات الحدودية للخسارة الكلية؛ لأن وظيفة الخبير لا تختفي، وتتركز على مساءلة الحالات التي لا تحتمل خطأً آليًا واثقًا.
لن يكون المؤشر الأهم لنجاح التحول عدد المطالبات التي أغلقت في دقائق، وإنما انخفاض النزاعات بالتزامن مع تحسن الدقة وسرعة التسوية وثقة العملاء، ويتحقق التقدم الحقيقي، عندما تخفض التقنية زمن القرار وتكلفته، من دون أن تخفض حق الإنسان في فهمه ومراجعته.. دمتم بخير.










































