اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
في حياة الأمم هنالك قرارات تولد في لحظة ما دون معرفة ابعاد اتخاذها ، الا انه عند العودة عنها لا تنتهي بانتهائها بل تمتد آثارها كدوائر متسعة في بحيرة الزمن حتى تبلغ شواطئ لم يتخيلها أصحاب القرار ، لذلك لا تقاس خطورة القرارات الكبرى بين حكومات العالم بلحظة إعلانها بل بما تتركه من آثار طويلة على حياة الشعوب التي تضطر إلى العيش داخل نتائجها
وهكذا تبدو ' بريطانيا ' اليوم بعد عقد من استفتاء الخروج من ' الاتحاد الأوروبي ' وهي تعيد تقييم تجربة راهنت عليها سياسيا واقتصاديا ، فقد أظهر استطلاع لمجموعة ' ميسينا ' في سبتمبر 2026 تأييد 49% من المشاركين لعودة المملكة المتحدة إلى الاتحاد مقابل 28.5% معارضة ، فيما أظهر استطلاع آخر ' ليوغوف ' تأييدا بلغ 59% للعودة الكاملة ، مع اختلاف صيغة السؤال والجهة المنفذة ، وتعكس هذه الأرقام رغم تفاوتها تحولا في المزاج العام يستحق التأمل ، لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان البريطانيون قد غيروا رأيهم ! بل كيف يمكن لقرار اتخذ باسم الشعب أن يتحول بعد سنوات إلى تجربة يدفع الشعب نفسه تكلفتها ؟ ومن يتحمل مسؤولية الفجوة بين الوعود التي سبقت التصويت والواقع الذي أعقبه؟
ففي عام ' 2016 ' كان الخروج تعبيرا عن رغبة قطاعات من المجتمع في استعادة القرار الوطني وتشديد السيطرة على الحدود وتقليص نفوذ المؤسسات الأوروبية وسط مخاوف تتعلق بالهجرة والهوية والاقتصاد ، وقد بدت تلك الأهداف لكثيرين طريقا نحو استقلال أوسع في إدارة شؤون البلاد ، الا أن السياسة حين تختصر القضايا المعقدة في شعارات سهلة قد تمنح الناس شعورا مؤقتا بالوضوح ثم تتركهم أمام واقع أكثر تعقيدا ، فالاستقلال في اتخاذ القرار لا يضمن وحده نتائج أفضل ، كما أن امتلاك الصلاحيات القانونية لا يعني بالضرورة القدرة على توظيفها لتحقيق الازدهار ، فلقد أعاد ' بريكست ' تشكيل قواعد التجارة وفرض إجراءات إدارية جديدة على الشركات وغير شروط الحركة والعمل والإقامة بين بريطانيا والدول الأوروبية ، نعم لا يمكن تحميله وحده مسؤولية الأزمات الاقتصادية البريطانية إذ تتداخل معه عوامل التضخم وأزمات الطاقة والسياسات الداخلية والتحولات الدولية ، لكن تغيير العلاقة مع أحد أكبر الشركاء التجاريين لا يمكن أن يظل محصورا في الخطاب السياسي ، فأثره يصل إلى الأسواق والمصانع والجامعات ويمتد إلى خطط الأسر والشباب وأصحاب الأعمال
وهنا تكمن المأساة الصامتة للقرارات العامة ، في ان السياسي قد يغادر منصبه والحكومة قد تتبدل والشعار قد يفقد بريقه ، لكن المواطن لا يستطيع مغادرة النتائج بسهولة ، فالزمن السياسي قصير بينما الزمن الاجتماعي طويل ، وقد يحتاج المجتمع سنوات لفهم آثار قرار اتخذ في لحظة وربما جيلا كاملا لتجاوز بعضها ، لذلك فإن التفكير في استئناف ' العضوية الأوروبية ' لا يعني أن بريطانيا تستطيع العودة إلى موقعها السابق بالشروط ذاتها ، فإذا انتقلت الرغبة السياسية إلى مسار رسمي فستحتاج لندن إلى تقديم طلب عضوية جديد والتفاوض بشأنه وفقا للمادة ' 49 ' من معاهدة الاتحاد الأوروبي مع موافقة الدول الأعضاء بالإجماع ، وقد تواجه بريطانيا تحديات تتعلق بالامتيازات السابقة والمساهمات المالية وحرية الحركة والالتزام بالتشريعات الأوروبية ، فالاستثناءات التي تمتعت بها في عضويتها السابقة ومنها ' الخصم المالي ' وبعض الترتيبات الخاصة ' باليورو وشنغن ' لن تكون مضمونة تلقائيا في عضوية جديدة
ومن ذلك ملف ' الهجرة ' أكثر الملفات حساسية ، لأنها ارتبطت بأحد الدوافع الرئيسية للتصويت للخروج ، كما أن الاندماج في السوق الأوروبية يقتضي الالتزام بقواعد مشتركة قد تحد من الانفراد ببعض القرارات التنظيمية مقابل تسهيل التجارة وتقليل الحواجز أمام الشركات ، أما اعتماد ' اليورو ' فلا يعني أن الانضمام سيؤدي إليه فورا ، إذ ترتبط المسألة بالالتزامات القانونية وشروط العضوية ومسار استيفاء المعايير ، ومن هنا تظهر المفارقة السياسية في تلك القرارات اللحظية ، فما اعتبر عام 2016 طريقا إلى استقلال أوسع اصبح عند مراجعة التجربة موضوعا للموازنة بين حرية التصرف ومكاسب التعاون ، لكن ليس كل التزام مشترك انتقاصا من المصلحة الوطنية كما أن التمسك بموقف سابق لا يعني بالضرورة الدفاع عن الكرامة الوطنية ، فالمعيار الحقيقي هو قدرة الدولة على تحويل خياراتها إلى نتائج ملموسة في حياة مواطنيها
ولهذا فإن استئناف ' العضوية الأوروبية ' إن حدث لن يكون علاجا سحريا لأزمات الاقتصاد والإسكان والخدمات العامة ، ولن يمحو عقدا من التحولات المؤسسية والتجارية بل سيفتح خلافات جديدة حول التمويل والهجرة والقواعد المشتركة ، ويضع الحكومة أمام مسؤولية إقناع المواطنين بأن المكاسب المتوقعة تستحق الالتزامات المطلوبة ، كما أن تأييد الارتباط مجددا بالاتحاد في استطلاعات الرأي لا يعني بالضرورة استعداد المواطنين لقبول جميع شروطه ، فالرغبة في تحسين العلاقة مع أوروبا شيء والاستعداد لتحمل تبعات العضوية الكاملة شيء آخر ، وحين تظهر التفاصيل بدقتها قد تتغير المواقف مرة أخرى
إن الدرس الأعمق في التجربة البريطانية يتجاوز الاتحاد الأوروبي إلى جوهر المسؤولية السياسية ، فالديمقراطية لا تكتمل بصندوق اقتراع بل تحتاج إلى نقاش يستند إلى المعلومات ومساءلة للوعود ومؤسسات تستطيع مراجعة السياسات عندما تكشف الوقائع حدودها ، فلا يفقد الشعب كرامته حين يعيد التفكير ولا تكتسب الدولة الحكمة بمجرد الإصرار على قرار سابق خشية الاعتراف بالخطأ ، لان الأوطان ليست ساحات لإثبات صحة الزعماء ، والشعوب ليست مادة خاما لتجارب الأفكار السياسية ، فقد تختار بريطانيا مستقبلا عضوية أوروبية كاملة أو شراكة أعمق دونها ، لكن السؤال الذي سيظل قائما ، هو : من يتحمل مسؤولية القرارات التي تغير مصير الشعوب ؟ ومن يملك شجاعة مراجعتها حين تتبدل الحقائق؟ ، لأن أخطر ما تتركه الأخطاء السياسية ليس آثارها وحدها بل الاعتقاد بأن الاعتراف بها أخطر من الاستمرار فيها ، فالتاريخ لا يعاقب الشعوب لأنها تغير رأيها ، وإنما تدفع الشعوب الثمن حين يصر أصحاب القرار على تجاهل ما تعلموه من التاريخ .












































