اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٠ أب ٢٠٢٦
أ.د. حمزة بن سليمان الطيار
حفظ الله تعالى لمن حفظه حاصل في المعاد والمعاش، أما المعاد فواضح أن المحفوظ فيه من حفظ الله تعالى في حياته، وأما المعاش فالحافظ لربّه محفوظ من كثير من الآفات الحسية والمعنوية، وهذا الحفظ منه ما يكون ثواباً يمنحه الله تعالى لعبده بعد خضوعه له، ومنه ما يتجسّد في نفس العمل ويتزامن معه..
طبيعة الإنسان أن يستشعر أهمية العناية بحفظ ما يعنيه، فمن غرائزه التي جبل عليها أن بقاءه مرهونٌ بتحصيل مصالح لا غنى له عنها، ودفع مفاسد لا بقاء له مع إحاطتها به، وإنما يتفاوت الناس في أمرين مؤثرين، أحدهما: الاهتداء إلى ما هو مصلحةٌ في الواقع لتحصيله، وتمييز ما هو مفسدةٌ حقيقيةٌ لاجتنابها، وقد يخيل إلى الإنسان أن شيئاً يستحق العناية بحفظه، مع أنه ليس كذلك، وقد يهمل العناية بحفظ ما هو ضروريٌّ أو حاجيٌّ، والثاني: النشاط في تطبيق ما عرفه من ذلك، فكم من إنسانٍ أدرك وجود المنفعة في شيءٍ، ولم ينشط إليه، وأدرك أن المفسدةَ كامنَةٌ في شيءٍ فلم ينكفَّ عنه، والإنسان الموفق من هُدي إلى حفظ ما أمكنه حفظُه مما فيه صلاح معاده ومعاشه، ولا يألو جهداً في ذلك، والطريقة المثلى لذلك مراقبة الله تعالى، وحفظه فيما استحفظ عبادَه من حقوقه تعالى وحقوق عبادِه، فمن قام بذلك تهيأت له أسباب الحفظ، وقد عبَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك في حديثٍ عظيمٍ يعدُّ من جوامع الكلم النبويّة، وهو ما أخرجه الترمذي وصححه عن ابن عباسٍ رضي الله تعالى عنهما, قال: (كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً, فقال: يا غلام, إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك..)، ولي مع هذه الكلماتِ المباركةِ وقفاتٌ:
الأولى: مراقبة العبد لربه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه هي المعبّر عنها في الحديث بـ(احفظ الله)، وهي مفهومٌ شاملٌ لما يصلح العبد به معادَه، وفي مقدمة ذلك حفظ حق الله تعالى في توحيده وعدم الإشراك به، فهو الأساس المتين الذي يبنى عليه حفظ كلِّ شيءٍ، ولو أهمله الإنسان، وحاول حفظ الحقوق الأخرى لم يكن وراءَ سعيِه طائلٌ، فحفظ الله تعالى في توحيده اعتقاداً ونطقاً هو الركن الأول من أركان الإيمان، ومعه ركن العمل، وتتقدّمه الفرائضُ لا سيما بقية أركان الإسلام من صلاةٍ وصومٍ وزكاةٍ وحجٍّ، وتتبعها نوافلها التي تكملها، ومن قام بهذا النوع من حفظه لربّه تعالى أثيب بما لا يقدر قدره من تأييد الله تعالى وحفظه له، فالجزاءُ من جنس العمل، ومصداقُ ذلك ما ورد في الحديث القدسي: (.. وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)، أخرجه البخاريُّ، وأما حفظ العبدِ لربّه باجتناب نواهيه، ففي مقدمته اجتناب الكبائر الموبقة؛ فإنها تسخط الربّ تعالى، وهي علامةٌ على رقّة الديانة وضعف مراقبة العبد لربّه.
الثانية: يدخل في هذه الكلمات الجامعة حفظ العبد لربّه بصيانته واحترامه لحقوق العباد؛ فإنَّ هذه الحقوق لا تخلو من حق الله تعالى، فقد قررها وأوجبها، وصانها، وقرن حفظ ضرورياتها بحفظ حقه في العبادة، فكانت الضروريات الكبرى حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، فهذه الأربع المذكورة بعد الدين كلها شرعت لحفظ حقوق العباد، وانتهاكها الجسيم تترتب عليه عقوبةٌ شرعيّةٌ زاجرةٌ، فمن حفظ العبد لربّه أن يحفظ حقوق عباده، وألا يفرّط في الواجب منها، فمن هذه الحقوق ما وجب لشخصٍ بعينه وصفته كالحقوق الواجبة لولي الأمر على رعيته من طاعةٍ وإخلاصٍ، والحقوق الواجبة للوالدين ولأحد الزوجين على الآخر وللذرية، وكالحقوق التي توجبها العقود المبرمة بين طرفين حصلت بينهما معاملةٌ، ومنها ما وجب للعموم كالكفِّ عن السعي فيما يضر المجتمع، والكف عن العبث بأمنه واستقراره، وعدم الإضرار بالمرافق العامة، ونحو ذلك، فهذا كله مما أوجبه الله تعالى على العبد، وإذا أخلَّ به فقد أخلَّ بشيءٍ من مضمون هذه الكلمات الجامعة.
الثالثة: حفظ الله تعالى لمن حفظه حاصلٌ في المعاد والمعاشِ، أما المعاد فواضحٌ أن المحفوظ فيه من حفظ الله تعالى في حياته، وأما المعاشُ فالحافظ لربّه محفوظٌ من كثيرٍ من الآفات الحسيةِ والمعنويةِ، وهذا الحفظ منه ما يكون ثواباً يمنحه الله تعالى لعبده بعد خضوعه له، ومنه ما يتجسّد في نفسِ العمل ويتزامن معه، فأما الذي يكون أثراً فمنه حفظه في نفسه كما حصل لأصحاب الغار في قصتهم المشهورة، ومنه ما يحصل له في ذريته كما قص الله تعالى علينا في سورة الكهف من حفظه لكنز اليتيمين اللذين كان أبوهما صالحاً، وأما الحفظ المتجسد في نفسِ حفظ العبد لربّه فهو أننا إذا نظرنا إلى من حفظ اللهَ تعالى بامتثال الأوامر واجتناب النواهي رأينا أن انشغاله بالأوامر صرفه عن الانشغال بما يضره، فمثلا: هو في أثناء الصلاة لا يمكنه الانشغال بأي مخالفةٍ بدنيّةٍ، وأثناء قراءة القرآن يكون لسانه مشغولاً عن النطق بما يجلب عليه المتاعب، وهكذا، وأما اجتناب المنهيّات الشرعية فواضح؛ فإن هذه المنهيات تترتب عليها تبعاتٌ دنيويّةٌ وأخرويةٌ، فمجتنبها محفوظٌ من تلك التبعات.










































