اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٠ أب ٢٠٢٦
أ. د. فهد مطلق العتيبي
كان الموت، ولا يزال، واحدًا من أعظم المواقف التي تذكِّر الإنسان بصورة من صور العدل الإلهي وهي 'المساواة.' فعند القبر تتساقط الألقاب، وتنتهي الامتيازات، ولا يبقى من الإنسان إلا عمله وذكره. غير أن بعض الممارسات الاجتماعية المعاصرة أخذت تنقل الطبقية التي نعيشها في بعض جوانب الحياة إلى لحظات الموت نفسها؛ حتى أصبحنا أحيانًا أمام ما يمكن تسميته بـ'طبقية الموت'. لقد تحولت بعض مجالس العزاء، من حيث لا نشعر، من فضاء للمواساة وتخفيف المصاب إلى مناسبة اجتماعية تستعرض فيها الإمكانات وشبكات العلاقات الاجتماعية من قاعات فاخرة، وضيافة مبالغ فيها، وموائد كبيرة، وتنظيم أقرب إلى المناسبات الاحتفالية، ثم يأتي الهاتف المحمول ليضيف بعدًا جديدًا: التصوير والتوثيق والنشر.
ولعل الأشد إثارة للتأمل أن نشاهد صور مجالس العزاء وقد ازدحمت بالشخصيات المعروفة أو أصحاب المناصب، ثم تُنشر الصور في وسائل التواصل، وكأن كثرة الحاضرين ومكانتهم الاجتماعية أصبحت مؤشرًا على مكانة المتوفى أو أسرته. وهنا يتحول السؤال من: هل حققنا مستهدفات العزاء في الإسلام من مواساة صادقة لأهل الميت، وتضامن معهم، وتذكر لحقيقة الفناء التي ستطالنا؟ إلى: من حضر العزاء؟ ومن ظهر في الصورة؟ ومن أثبت مكانته الاجتماعية وعلاقاته الواسعة؟
إن مثل هذه الممارسة تستحق النقد؛ لأنها تصنع، ولو بصورة غير مقصودة، تفاوتًا حتى في الحزن. فهناك عزاء تتناقله الصور والحسابات، وعزاء آخر لا يحضره إلا بضعة أشخاص. وهناك ميت تتحول وفاته إلى حدث اجتماعي واسع، وآخر يرحل بهدوء. لكن هل تختلف قيمة الإنسان عند الله بعدد السيارات أمام مجلس عزائه، أو بعدد الشخصيات التي حضرت، أو بعدد الصور المنشورة؟ إن مقصد التعزية في الإسلام أبسط وأعمق من ذلك كله: المواساة، والدعاء للميت، وتثبيت أهله، وتخفيف مصابهم. وهذا يعني أن المشكلة ليست في اجتماع الناس للتعزية، ولا في إكرام المعزي على وجه معتدل، ولا في حضور المسؤول أو صاحب المكانة؛ فكل ذلك قد يكون من جميل الوفاء. إن المشكلة تبدأ عندما يتحول العزاء إلى استعراض للمكانة الاجتماعية، ويصبح التصوير وسيلة لإثبات أن 'فلانًا حضر'، وأن الأسرة تحظى بهذه الشبكة من العلاقات.
ولعلكم توافقوني الرأي أن الموت هو آخر مكان ينبغي أن نستعرض فيه طبقيتنا وتفاوتنا. إنه اللحظة التي تقول للغني والفقير، وللمسؤول والمواطن، وللمشهور والمجهول: إن النهاية واحدة. ولذلك ربما نحتاج إلى استعادة بساطة العزاء من حضور بلا استعراض، ومواساة بلا تكلف، وضيافة بلا إسراف، وتصوير أقل، ودعاء أكثر. فالميت لا يحتاج إلى صورة تجمعنا حول أهله، بقدر ما يحتاج إلى دعوة صادقة نرفعها له في غيابه.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى معنا هو: إذا كان الموت قد ساوى بين الناس في القبور، فلماذا نصر نحن على إعادة صناعة الطبقية حتى في العزاء؟










































