اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٦ أذار ٢٠٢٦
الرياض - محمد الحيدر
شكل العلم الركيزة الأولى التي انطلق منها الشيخ حمد بن عبدالعزيز الجميح في صياغة منهجه الخيري المتفرد، إيماناً منه بأن بناء العقول هو السبيل الأسمى لنهضة المجتمعات واستدامة رقيها. لم يكن عمله الخيري مجرد استجابة عفوية للحاجات، بل كان رؤيةً مؤسسيةً عميقة، اتخذت من المعرفة قاطرةً للتنمية ومن العطاء الممنهج وسيلةً لتحويل الطاقات البشرية إلى فاعلية منتجة.
وتتجلى هذه الفلسفة بوضوح في 'جائزة الجميح للتفوق العلمي وحفظ القرآن الكريم'، التي تعد واحدة من أهم المبادرات الوطنية التي أسسها، إذ لم تكن مجرد تكريم للمتفوقين، بل استثماراً استراتيجياً في مستقبل الوطن، حيث تسعى الجائزة إلى تعزيز قيم الاجتهاد والارتباط الوثيق بكتاب الله، وتأتي لتسهم في تحقيق الاستقرار النفسي وتأكيد الذات في نفوس طلابٍ يملكون من الإبداع أعلاه، ومن المثابرة أحلاها. إن هذه الجائزة التي تتناغم مع رؤية المملكة 2030 في بناء مجتمع معرفي، قد حققت التحفيز بشقيه المعنوي والمادي، جاعلةً من التميز العلمي بسمة فخر على ثغور الآباء، ومحفلاً تشعر فيه الأسر بقطاف ثمار تربيتهم، لتصبح الجائزة بمثابة 'السوق' الذي تُعرض فيه أشجار التضحية والبذل التربوي، مؤكدةً أن المتفوقين يحتاجون لمن يرعاهم حتى يصبحوا علامات بارزة في وطن يقدس العلم والعلماء، تماماً كما خطط لها الشيخ حمد في رؤيته التي تضع العلم كأسمى غايات الإحسان.
هذا المنهج لا يكتفي بالجانب الأكاديمي، بل يدرك بعمق الأثر التربوي للتحفيز؛ فإدراكاً منه بأن النفس البشرية تحتاج إلى ما يؤكد ذاتها ويمنحها الاستقرار، جاءت الجائزة لتفتح أمام الطالب باباً للشعور بالذات والتكيف مع بيئته، ولتكون شريكاً في صناعة الشخصية المتوازنة والمبدعة. وإلى جانب هذا الاستثمار في العقول، امتدت أيادي الجميح لتلامس احتياجات الفئات الأشد احتياجاً عبر دعمٍ مؤسسيٍ واثقٍ لجمعية 'إنسان' لرعاية الأيتام، حيث أدرك مبكراً أن رعاية الأيتام هي أمانة وطنية تتطلب أكثر من مجرد الإعانة؛ فهي تحتاج إلى التمكين التعليمي والاجتماعي.
لقد كان دعمه لهذه الجمعية تجسيداً لقناعته بأن تأهيل اليتيم بالعلم والرعاية المستدامة هو الضمانة الحقيقية لتحويله من متلقٍ للخير إلى عنصرٍ فاعلٍ في بناء صرح الوطن، محولاً بذلك العمل الخيري إلى منظومة متكاملة من القيم والمبادرات التي تضمن تكافؤ الفرص وتصون كرامة أفراد المجتمع، ليكون كل فردٍ، بفضل هذه الجهود، قادراً على الإسهام في رفعة بلاده.
إن العمل الخيري الممنهج- وفق هذا المنظور- واجبٍ إنسانيٍ، وخدمة جليلة للوطن وأسمى صور الوطنية؛ فالمؤسسات والجوائز التي تُبنى على أسس علمية وتنموية دقيقة هي شريك استراتيجي في نهضة الدولة، تسند كاهل المجتمع وتخفف أعباء التنمية. وحين يرتفع العمل الخيري إلى مصاف المنهجية المؤسسية، فإنه يتحول إلى أداة وطنية تضمن تماسك الجبهة الداخلية واستقرار الوطن، وتعزز من رصيد الشعوب الحضاري.
وحينما يمتزج الإحسان بالعلم والتخطيط، يغدو قوةً ناعمةً تصنع الفرق، وتبرهن أن الأرواح التي تعيش لخدمة الآخرين وتستثمر في عقولهم وتصقل مواهبهم، هي وحدها التي تضع بصماتٍ لا تمحوها الأيام، وتؤسس لنهضةٍ مجتمعيةٍ قائمةٍ على التكافل والتراحم، ليكون الخير الذي زرعه الجميح نبعاً يتجدد عطاؤه في كل طالب علمٍ، وفي كل يتيمٍ كُسيت احتياجاته، وفي كل طموحٍ يُبنى، ليظل هذا النهج الخيري نبضاً لا يتوقف في مسيرة الوطن العظيم.
رحم الله الشيخ حمد الجميح رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، فقد ترك إرثاً مضيئاً من المآثر والأيادي البيضاء التي ستبقى نبضاً لا يتوقف في مسيرة الوطن العظيم، ومناراً يقتدي به كل باحثٍ عن العطاء في أسمى تجلياته.










































