اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
لا زال سد النهضة يثير جدلا واسعا وكبيرا بين مصر و إثيوبيا وهناك الكثير من الاشاعات والتهديدات حول ماذا لو ' قصف السد '؟
وقد أثار مؤخرا تصريح وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتماتو إيتيفا، وتحديدا الأسبوع الماضي مصر والذي تساءل فيه لماذا ينبغي لإثيوبيا التشاور مع مصر بشأن سد النهضة ما دامت مصر لم تستشر إثيوبيا عند بناء السد العالي، وهي مقارنةً تتجاهل الفارق الهندسي والجغرافي بين المشروعين.
فالنقاش لا يُحسم بمن بنى سدًا أولًا، بل بموقع السد، وطريقة تشغيله، وآثاره العابرة للحدود.
وهندسيا من سابق خبرتي في مجال التصميم والتشييد لأكبر سدود العالم في كندا و الباكستان ، في شمال كندا في منطقة فورت سان جون و الاخر على بعد ٣٠٠ كيلومتر من إسلام آباد على نهر السوات ( ثالث اكبر سد في العالم )، اود توضيح بعض النقاط الهامة ومنها انه يقع السد العالي قرب أسوان، داخل مصر وبعد مرور مياه النيل بالسودان. وهو ينظم المياه التي وصلت إلى مصر، ولا يحجزها عن إثيوبيا أو السودان. أما سد النهضة فيقع على النيل الأزرق في إثيوبيا، قبل السودان ومصر؛ لذلك يمكن لملء خزانه وتشغيله أن يؤثرا في توقيت التدفق وكمياته الواصلة إلى دول المصب.
ولا يعني ذلك أن السد يحجب المياه نهائيًا، فالمياه التي تمر عبر توربيناته لتوليد الكهرباء تعود إلى مجرى النهر؛ إنما تكمن المخاطر في التخزين والإطلاقات، خصوصًا أثناء الجفاف، وفي مدى التنسيق بشأنهما.
وهندسيا وجغرافيا وفيزيائيا وبطبيعة الجاذبية الأرضية هنالك خزانان بوظيفتين وموقعين مختلفين في بلدين تفصلهما ٣٠٠٠ كيلومتر تقريبا .
تبلغ السعة التصميمية لخزان سد النهضة نحو ٧٤ مليار متر مكعب. أما بحيرة ناصر خلف السد العالي فتبلغ سعتها القصوى المتداولة نحو ١٦٢ مليار متر مكعب. لكن السعة الإجمالية لا تساوي كمية المياه المتاحة للتشغيل في أي وقت، ولا تعني أن الخزان يُملأ بالكامل كل سنة؛ فالمخزون يتغير وفق الوارد والتصريف والتبخر وقواعد التشغيل.
والفارق الأساسي أن بحيرة ناصر تخزن المياه داخل مصر لتنظيم استخدامها، بينما يقع سد النهضة أعلى السودان ومصر، فيؤثر تشغيله المحتمل في تدفق المياه إليهما.
الوظيفة الرئيسية لبحيرة ناصر هي التخزين من سنة إلى أخرى وتنظيم الإطلاقات لتأمين مياه الري والاستخدامات المختلفة، وتوليد الكهرباء، والتعامل مع تفاوت الفيضان والجفاف. وقد وفّر هذا المخزون لمصر هامشًا مهمًا لمواجهة نقص الوارد، لكنه ليس موردًا بلا حدود. لذلك الأدق أن نقول إن السد العالي عزّز قدرة مصر على امتصاص تقلبات التدفق خلال ملء سد النهضة لا إنه ألغى آثار السد أو ضمن عدم تضرر مصر. والفضل هنا يعود للرئيس جمال عبد الناصر الذي في عهده تم بناء السد العالي الذي رفضت تمويله الولايات المتحدة الأمريكية و البنك الدولي .
وتبين دراسات أن الإدارة المنسقة للسدين قد تقلل العجز المائي في مصر وتحافظ على استخدام السودان للمياه، مقارنةً بالتشغيل غير المنسق.
لذلك لابد من دراسة الآثار المحتملة على السودان ومصر حيث قد يساعد سد النهضة السودان على الحد من بعض الفيضانات والطمي وتحسين انتظام التدفق. وفي المقابل، فإن الإطلاقات المفاجئة أو غياب البيانات الدقيقة قد يربكان تشغيل السدود ومشروعات الري السودانية، ويعرضان السكان والمنشآت لمخاطر كان يمكن الحد منها بالتنسيق والإنذار المبكر.
أما في مصر، فقد يؤدي انخفاض الوارد خلال فترات الملء أو الجفاف إلى السحب من مخزون بحيرة ناصر لتعويض النقص، بما يضغط على المياه المتاحة للري والاستخدامات الأخرى، وقد يؤثر في توليد الكهرباء من السد العالي. ولا يمكن تحديد حجم الضرر برقم واحد ثابت؛ إذ يتغير بحسب الأمطار، ومدة الجفاف، ومخزون البحيرة، ومقدار المياه المخزنة أو المطلقة من سد النهضة.
وقد خلصت دراسة نمذجة منشورة عام ٢٠٢٤ إلى أن سياسات التشغيل والتخفيف من الجفاف تُحدث فارقًا كبيرًا في العجز المحتمل، وهو ما يؤكد أن الأرقام المتداولة في هذا الملف هي نتائج سيناريوهات وافتراضات وليست خسائر حتمية أو مقاسة مسبقًا.
وبالعودة الي الاتفاقيات والحصص: ما هو متفق عليه؟وما هو مختلف عليه نجد انه لا توجد اتفاقية جامعة وقعتها جميع دول حوض النيل لتوزيع حصص رقمية بينها.
ففي عام ١٩٢٩ أُبرمت ترتيبات بين مصر وبريطانيا، بصفتها الاستعمارية آنذاك، وتناولت مصالح مصر ومشروعات النيل؛ وما زال مدى انطباقها وتفسيرها محل خلاف بين دول الحوض.
أما اتفاقية ١٩٥٩ الموقعة بين مصر والسودان في ٨ نوفمبر، فنظمت اقتسام المياه بينهما، وحددت ٥٥،٥ مليار متر مكعب سنويًا لمصر و١٨،٥ مليارًا للسودان.
وهي اتفاقية ثنائية لا تمثل موافقة جميع دول الحوض ولا تحدد حصصًا لإثيوبيا.
أما اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل، التي دخلت حيز النفاذ في ١٣ أكتوبر ٢٠٢٤ فتضع إطارًا للتعاون والاستخدام المنصف والمعقول، لكنها لا تحدد حصصًا سنوية رقمية، كما أن مصر والسودان لم تنضما إليها.
إن حق إثيوبيا في التنمية وتوليد الكهرباء لا يلغي واجب التعاون بشأن الآثار العابرة للحدود، كما أن مخاوف مصر والسودان لا تنفي حق إثيوبيا في الانتفاع بمياه النهر.
والحل الهندسي والقانوني الأجدى هو اتفاق ملزم وشفاف بشأن تبادل البيانات، وقواعد الملء والتشغيل، والإطلاقات أثناء الجفاف، وإجراءات الإخطار عند الطوارئ. فالنهر مشترك، وإدارته الرشيدة لا تتحقق بالمقارنات التاريخية، بل بالتنسيق الذي يحمي مصالح دوله جميعًا.
اما الاشاعات عن وجود نية لقصف السد من قبل مصر إذا لم يتم التوصل لاتفاق فهي مغرضة و لا اساس لها من الصحة واذا حدثت لا سمح الله وقصف سدّ كبير مثل سد النهضة الإثيوبي على نهر دولي مثل نهر النيل فقد يحوّل نزاع المياه إلى كارثة إنسانية وأزمة إقليمية.
واقصد هنا لو افترضنا وقوع ضربة فعلًا، فالنتائج ستعتمد هندسيا على موضع الضرر وشدته، ومستوى المياه في الخزان، وما إذا كان السد ومرافقه قد تضررت إنشائيًا.
ولا يمكن تقدير الخسائر أو الجزم بانهياره من دون بيانات فنية موثقة ، وايضاً معرفة في اي جزء من السد وعلى اي ارتفاع وزاوية معينة محدده سيتم القصف ، وايضاً وقوع القصف الجوي ونوعيته والصواريخ المستخدمة وعددها . ولكن إذا حدث فالضرر سيكون :
اولا : على إثيوبيا: قد تقع خسائر بشرية بسبب إغراقات كبيرة ومادية، وتعطّل توليد الكهرباء أو مرافق المشروع، إضافة إلى تصعيد عسكري ودبلوماسي واسع.
ثانيا : على السودان: إذا تضررت منشآت السد أو حدث إطلاق مفاجئ للمياه، فقد تواجه مناطق ومرافق على النيل الأزرق مخاطر فيضانات سريعة، مع تهديد للسكان والزراعة والسدود القريبة. لكن حجم الخطر يتوقف على طبيعة الضرر وتوقيت الإنذار والإطلاق.
ثالثا : على مصر: الضرر الجزئي الذي لا يسبب تدفقًا مفاجئًا قد يعطّل المشروع ويغيّر الإطلاقات، لكنه لا يعني تلقائيًا انقطاع المياه عن مصر.
أما الانهيار أو الإطلاق الكبير غير المنضبط في حال قصف منتصف السد وهو ممتليء فقد يسبب موجة فيضان تصل عبر السودان، تغرق فيها قرى ومحافظات بمئات الالاف من البشر وثم قد تتبعها مخاطر نقص المياه إذا تعطلت إدارة النهر. ويظل حجم الأثر غير قابل للتحديد النهائي بلا نمذجة وبيانات ميدانية.
نامل ان تتواصل مصر و اثيوبيا والسودان ويتحقق الاتفاق النهائي على تقاسم المياه والحياة بسلام .
aftoukan@yahoo.com












































