اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٨ حزيران ٢٠٢٦
د. فايز بن عبدالله الشهري
في إقليم الشرق الأوسط المضطرب، لا تُولد التحديات السياسية كلها من حركة الريح الجيوسياسية. فبعضها يُصنع في غرفٍ معتمة، تُنفخ منها روح الفوضى والمشاغبة عبر منصاتٍ وحساباتٍ تثير الغبار، لأنها لا تدرك حسابات التاريخ، ولا حتمية الجغرافيا، ولا اتجاهات ريح المستقبل.
هناك، في المسافة الرمادية بين السياسة والدعاية، تتكاثر المنشورات الرقمية والفضائية الطائشة، التي تلبس قناع الغيرة على المنطقة، وتستهدف المملكة، وهي في حقيقتها ليست إلا محاولات بائسة للإرجاف. بل إنها، دون وعي، تُعيد تأصيل العمق الاستراتيجي للمملكة بامتداد تاريخها، واتساع جغرافيتها، وصلابة رؤيتها، وهمة شعبٍ شبهت قيادته صمودَه برسوخ جبل طويق. أما الصغار من خلف الشاشات، فيظنون أن الخوارزمية يمكن أن تقوم مقام الجغرافيا، وأن الوسم العابر قادر على مزاحمة التاريخ. غير أن منطق الدول، كما تعلمنا الواقعية السياسية، لا يصغي إلى من يصدر الضجيج ويمول الغثاء.. إنه يفتش عن الفعل والقوة، والمصلحة والقدرة، والمصداقية والاستمرارية.
هذه الحملات ليست فعلًا سياسيًا مكتمل الأركان.. إنها، في توصيفها العلمي الدقيق، شحنات عاطفية ظرفية، تنفجر في لحظة توتر، ثم تتلاشى حين تبرد حرائق القش حول «الترند» المصنوع. فهي لا تمتلك مشروعًا، ولا تقدم نموذجًا، ولا تبني تحالفًا، ولا تصنع أمنًا. هي انفعالٌ يتخفى في هيئة موقف، وقلقٌ يبحث عن منصة، وقصر نظر جيوسياسي يحاول أن يغطي عجزه بالضجيج.
تدرك تلك المنصات، ولو لم تعترف، أن المملكة ليست رقمًا في معادلة إقليمية ضيقة، بل مركز ثقل يضبط توازنات المنطقة، ويفتح مسارات أوسع من حدود اللحظة الانفعالية التي يعيشونها. هنا تحديدًا يظهر الفرق بين من يواصل شراء ضجيج الحملات، ومن يصنع الفعل المدوي للإنجاز. فالضجيج يستهلك ذاته وأدواته، أما الفعل فيتحول إلى مشروع ورؤية للذات والمنطقة والعالم. وقد يصنع هذا الضجيج الصغير لمن يموله عضلات بالون منفوخة لساعات، أما الفعل السعودي فيعيد ترتيب مستقبل المنطقة لعقود.
في مدرسة الواقعية السياسية، لا تُقاس الدول الوازنة بصناعة الضجيج، بل تُقاس بقدرتها على حماية مصالحها دون انفعال، وعلى توسيع هامش الحركة دون تهور، وعلى تحويل الأزمات من كتل نار إلى ملفات قابلة للإدارة. وفي هذا المشهد لا تُشغل المملكة نفسها بالرد على حملات صغيرة مصنوعة من الكذب والتلفيق. فعوامل التاريخ والمستقبل والقدرة والمسؤولية تحتم عليها أن تكون مرساة الاستقرار في بحر شديد الاضطراب. وحين تتدافع الموجات من حولها، تُمسك بخيوط المصلحة الوطنية العليا وأمن إقليمها، دون أن تقطع خيوط الشراكة. فهي توازن بين الصلابة والمرونة، وبين الأمن والتنمية، وبين وقار السيادة وكلفة الانفعال. وهذا هو جوهر النضج السياسي. فالدول الراسخة لا تُدار بعاطفة اللحظة، ولا برغبة صغير مشاكس يريد استدراجها إلى مربع ضيق. فالسياسة في الرياض تُدار بعينٍ ترى الخرائط كاملة، وبيدٍ تعرف أن البناء المستدام يحتاج إلى صبر طويل على الصبية وهم يرمون الحجارة على الجدار المتين.
أما تلك الحملات، فمأزقها أعمق من إساءة عابرة. فهي، حين تتوهم أنها تُضعف صورة المملكة، تكشف في كل مرة حجم حضورها. تريد أن تُقلل من شأن النموذج السعودي، لكنها تثبت أن هذا النموذج صار معيارًا في السياسة الإقليمية والحضور الدولي.
ومن هنا، يبقى الفارق واضحًا بين من يصنع الزوبعة ومن يصنع الاتجاه. فالزوبعة تثير الغبار، لكنها لا تغير الطريق. أما الاتجاه فيرسم مسار القوافل، ويمنح السائرين معنى الوصول. ولهذا تمضي المملكة في مشروعها بثقة، لأنها تعرف أن التاريخ لا يخلد من باعوا واشتروا على الهوامش، بل من ثبتوا في المركز حين هرجت الهوامش ومرجت. وحين يهدأ وميض الشاشات، وينطفئ لمعان الوسوم، وتنكشف الوجوه، ستظهر الحقيقة ساطعة كالفجر. حينها سيذهب الزبد، وسينسى الناس أصوات العابرين، لكنهم سيتذكرون دائمًا من بنى للمنطقة ميناء سلام، وسيستقبل حتى أولئك البحارة الهواة حين يفتشون أخيرًا عن شاطئ.
سترى صانع الزوابع وعلى وجهه الغبار في المحافل، وصانع الاتجاه ناصع الجبين يُرشد القوافل..










































