اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
ثلاث مدن في بلدان مختلفة ومتباعدة الأميال، ولكنها تحمل تاريخاً لا يخلو من دلالات مهمة وعميقة للبشرية جمعاء. الأولى هيروشيما، شهدت في السادس من أغسطس (آب) 1945 أول استخدام للقنابل النووية في التاريخ الإنساني كله. والثانية حلبجة، شهدت حملة عسكرية قاسية مريرة على أهالي المدينة التي تقطنها غالبية كردية مع أقلية آشورية، وما حولها، في إحدى مراحل ما تُعرف بـ«حملة الأنفال» التي قام بها الجيش العراقي زمن صدام حسين، واستُخدمت فيها الأسلحة الكيماوية ومورست الاعتقالات العشوائية والقتل على الهوية. والثالثة قطاع غزة الذي يشهد أكبر عملية تدمير على مدى السنوات الثلاث الماضية، وما زال يتعرض أهله لكل صنوف القتل الجماعي والتجويع والإفساد المتعمد للأرض وتدمير الزرع، وهي مفردات وأعمال ينطبق عليها التعريف القانوني لـ«الإبادة الجماعية».
الجامع بين المدن الثلاث يتمثل في استخدام أسلحة شديدة التدمير والقتل، ومن ثم حصدت آلاف الضحايا في لمح البصر، كما في حالتَي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين. ويتمثل كذلك في القتل والتدمير الممنهجين على فترات متقاربة من الزمن (1986 إلى 1988) كما في حالة المناطق الكردية شمال العراق، وراح ضحيتهما أكثر من مائة ألف كردي وآشوري وأقليات عرقية أخرى. وفي غزة نشاهد يومياً ما يجري؛ حيث دُمِّر القطاع، واستُشهد أكثر من 75 ألفاً، مع 175 ألف مُصاب، وما زالت الأعداد ترتفع كل ساعة.
وأُزيلت مدن كاملة في الحالات الثلاث، واختفت عائلات بكاملها، وتناثرت أجساد الضحايا بفعل الإشعاع النووي والغازات الكيماوية السامة وقنابل اليورانيوم المنضب والقنابل الحارقة التي لا تترك أثراً لمن أصيب بها. ويظل بشر أراد القدر أن يشهدوا تلك المآسي، وما زالوا يعيشون بيننا، وقد أصيبوا بالأمراض الخطيرة والمعاناة النفسية الرهيبة التي تظهر في نظرات العيون وحركات اليد وطريقة المشي المتعثرة، والعبارات الممتزجة بالدموع حين يتذكرون هول ما تعرضوا له. هم جميعاً شهود على أكثر الأفعال دموية، وأكثرها انحطاطاً أخلاقياً، وأكثرها تعبيراً عن شخصيات وقادة فقدوا كل معاني الإنسانية، وتحكمت فيهم رغبة الانتقام الشرس، ولم يتصوروا أنهم رموز دموية في نظر كل البشر الأسوياء.
في الذكرى الستين لإلقاء القنبلة النووية على هيروشيما، يوم السادس من أغسطس 2005، وبدعوة من الحكومة اليابانية، شاركتُ في بعض الأنشطة المتعلقة بإحياء تلك الذكرى المريرة، وقبل حلول تلك الذكرى بأيام قليلة، نشرت الولايات المتحدة بعض الوثائق المتعلقة بقرار استخدام تلك القنابل لإخضاع اليابان وفرض الاستسلام عليها، حتى بعد أن عرض الإمبراطور الياباني آنذاك هيروهيتو استسلام بلاده بلا قيد أو شرط، وهو ما تجاهله الرئيس الأميركي هاري ترومان الذي قرر إلقاء القنبلة المسماة «الولد الصغير» على هيروشيما، و«الرجل البدين» على ناغازاكي، أياً كانت النتائج المحتملة على البشر. في تلك الوثائق تأكدت نية استخدام القنابل النووية بلا أدنى معارضة من القادة العسكريين الذين أثنوا على القرار، واعتبروا أنه سيكون فتحاً تاريخياً كبيراً.
في تلك الذكرى وقف بعض السيدات المسنات اللواتي نجَيْن من الإصابة المباشرة، وكنَّ صغيرات، ولكنهن لم يَسلَمْن من الإشعاعات السامة والأمراض الخطيرة. كان الوهن متمكناً في نظرات العيون وحركات الجسد والصوت الضعيف. حكت السيدات أمام الحضور ما أصابهن من أمراض خبيثة، وفقد الأبناء والأزواج والأقارب والأصدقاء، وانتهت كلماتهن بالدعوة إلى تعلم الدروس والتمسك بالسلام.
الحكايات ذاتها يمكن أن تسمعها -وكأنها قصة لم تتغير مفرداتها- في حلبجة، تلك المدينة الكردية التي كان لها نصيب مرير من «حملة الأنفال» اللاإنسانية؛ حيث سقط من أهلها آلاف عدة، وانتشرت الأمراض التعيسة بين آلاف آخرين، كانت من بينهم السيدة «كيشوه ر ولودحه مه يس» المرشدة في متحف حلبجة، التي تشرح للزائرين المأساة، وكيف حدثت، وكيف تمثلت الوحشية في التحركات العسكرية العراقية ضد العزل من السيدات والأطفال. هي نفسها أجرت عمليات جراحية عدة، آثارها في أماكن كثيرة من الجسد. كانت تشرح لوفد مصري غير رسمي اللوحات والصور التي التقطها مصور هولندي جاء إلى المدينة خلسة، بعد أقل من أسبوع من استخدام الأسلحة الكيماوية، ونال على أشهر صوره تلك جوائز عدة، وهي صورة الأم التي تحتضن طفلها وكلاهما مطمور بالأتربة، في محاولة لحمايته من الأشعة والسموم القاتلة، ولكنهما نالا معاً شرف الشهادة.
هي الصور الكثيرة نفسها التي تخرج على العالم بأسره من غزة طوال السنوات الثلاث الماضية؛ حيث مئات الأمهات -إنْ لم يكُنَّ آلافاً- يحملن في صدورهن فلذات أكبادهن؛ حيث استشهدت كل أم وابنها معاً؛ ناهيك بصور الدمار والخراب والأصول التي لم تعد سوى ذكرى أليمة.
ويظل السؤال: لماذا قتلونا؟
حين نشرت الممثلة الأميركية الشهيرة أنجلينا جولي قبل أسبوعين صورة الدمار في قطاع غزة، مُلحقة بها صورة المكان نفسه قبل تدميره على يد جيش الاحتلال بأوامر رئيس الوزراء نتنياهو، بدا المرء وكأنه يشاهد صور هيروشيما وكل منازلها ومبانيها مجرد رماد، وتماثل تلك الصور ما يعرضه متحف حلبجة المتواضع من صور للمباني المدمرة والعربات المحترقة، والمعالم التي لا يمكن أن يُعرف ما كانت عليه، ولكنها أصبحت عدماً.
الحروب التي تخرق كل معاني الإنسانية، أياً كان القائد، وأياً كان المنفِّذون، يظل ضحاياها وذكرياتها الأليمة القاسم المشترك، الأمر الذي يدعو البشرية جمعاء إلى الوقوف بحسم وصرامة ضد هؤلاء المنزوعة إنسانيتهم.












































