اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٨ أب ٢٠٢٦
فهد الأحمري
تثبت وقائع العلاقات الدولية وتجاربها المتراكمة أن التحالفات الرصينة لا تقوم على التطابق الأيديولوجي أو التماثل في الأدوار، بل تتأسس على حسن استثمار التباين وإدارته بحنكة؛ فالقوة الحقيقية في موازين السياسة المعاصرة مبعثها التكامل الوظيفي المنتِج، لا استنساخ النماذج والتطابق الشكلي.
من هذا المنطلق، تبرز قراءة مغايرة لمخرجات قمة مكة المكرمة للدفاع المشترك؛ إذ يمثل التقارب بين المملكة العربية السعودية، وجمهورية تركيا، وجمهورية باكستان الإسلامية نموذجاً متقدماً في العمل الاستراتيجي المشترك.. شراكة واعية تتجاوز الصيغ النمطية المستهلكة، وتستثمر في المزايا النسبية لكل طرف؛ محولة التنوع الجغرافي والسياسي والعسكري إلى ركيزة صلبة لصناعة ثقل إقليمي ودولي فاعل.
تجمع هذه الشراكة بين مكانة المملكة باعتبارها قبلة العالم الإسلامي، ومركز الثقل المالي والاستثماري، وعماد استقرار أسواق الطاقة والتنمية، وبين الموقع الجيوسياسي لتركيا بجسورها الممتدة بين قارتين، وريادتها الصناعية المتقدمة، فضلاً عن العمق الدفاعي والخبرة العسكرية والامتداد الاستراتيجي لباكستان.
هذا البناء يرسخ مفهوم الكتلة الإقليمية المتوازنة؛ حيث يسهم كل طرف بعناصره التنافسية دون ذوبان أو تبعية، مما يكفل لهذا المسار مرونة التعامل مع التحولات الدولية المتسارعة.
يتجلى البعد الأعمق في تجاوز الاستقطابات الحادة نحو شراكة واقعية تعنى بالأمن الجماعي، وحماية المصالح الحيوية؛ فالجمع بين القدرة الاقتصادية، والتقدم التقني، والردع العسكري، يعزز الاستقلالية الاستراتيجية للمنطقة، ويوفر بيئة آمنة للمشروعات التنموية الكبرى المشتركة، متجاوزاً منطق ردود الأفعال إلى بناء توازنات راسخة ومستدامة تكفل الاستقرار طويل الأمد.
تكمن القيمة الجوهرية لهذا المسار في الانتقال من الخطابات البروتوكولية إلى عقيدة الشراكة التنفيذية الملموسة؛ إذ يؤسس هذا التنسيق لنموذج سيادي متقدم يزاوج بين حماية المصالح الوطنية وتعظيم المكاسب المشتركة.
هذا التحول يمنح هذه الأقطاب وزناً تفاوضياً صلباً أمام التكتلات الدولية الكبرى، ويعيد ضبط موازين التوازن الإقليمي وفق رؤية واقعية تدرك أن استقرار الإقليم وازدهاره لم يعودا رهناً للإملاءات الخارجية، بل بقدرة دوله على صياغة حلول أمنية وتنموية تنبع من صميم مقدراتها الذاتية.
بصيرة:
لم تكن قمة مكة للدفاع المشترك مجرد لقاء سياسي عابر، بل تدشين لنهج دبلوماسي واقعي يؤكد أن التحالفات المثمرة لا تتطلب تماثل المقومات، بل يقوم نجاحها على تكامل القدرات وتناسق الأهداف.










































