اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٧ أب ٢٠٢٦
د. ملحة عبدالله
إن الخروج من هذه النعومة لا يكون بضجيج مضاد.. فالضجيج جزء من المنظومة، الخروج يكون باستعادة حقين: حق التأمل، وحق الاختيار الواعي لما ندخله إلى عقلنا وقلبنا، أن نقرأ ما لا يُرشح لنا، أن نصغي لصوت لا يعلو، وأن نمنح الفكرة وقتها الكامل حتى تكتمل فينا..
حين يصبح الصمت أثقل من الكلمة وفي زمنٍ غدا فيه كل شيء متاحاً صار أندر ما نملكه هو القدرة على أن نختار ما ننتبه إليه فلقد انتقلنا من عصر ندرة المعلومات إلى عصر وفرةٍ مفرطة لا تمنحنا حرية بقدر ما تفرض علينا شكلاً جديداً من النسيان نسيانٌ لا يأتي من محو بل من إغراق لم يعد السؤال كيف نصل إلى الحقيقة كما في الفلسفة القديمة بل كيف نميزها وسط هذا السيل الذي لا ينقطع لم تعد المعركة معركة إقناع أو تساؤلات تؤدي إليه بل معركة انتباه وما بين الإقناع والانتباه تولد صيغة جديدة من التأثير لا تصرخ ولا تصادم بل تهمس همساً ناعماً يسميه البعض توصية ويسميه آخرون خوارزمية ولكنه في جوهره إعادة تشكيل بطيئة لما نراه وما نشعر به وما نعتقد أنه مهم إن أخطر ما في هذا النوع من التأثير أنه لا يلغي خيارنا بل يصوغه لنا مسبقاً ثم يترك لنا حرية الضغط على الزر بعد أن يكون قد اختار لنا كل الأزرار فيمنحنا منبراً لنتكلم بعد أن يكون قد سحب من لغة عصرك الكلمات الثقيلة ويرينا العالم ولكن من نافذة واحدة زجاجها نظيف جداً فلا ترى ما وراءها إن هذا الوعي لا يُكسر فحسب بل هو يُثنى بلطف لا يُهاجم القيم بل يجعلها تبدو قديمة وثقيلة وتجب مراجعتها ولا يسخر من السؤال العميق بل يغمره بسيل من الأسئلة السريعة التي لا تنتظر جواباً ومع الوقت يتعب العقل وتتعب الروح فيختار الإنسان بنفسه ألا يسأل لا خوفاً بل إرهاق بل من الغرق في متاهات المعطى وهنا تكمن المفارقة أن نصير أحراراً في الاختيار وأسرى في نطاق الاختيارات الفيلسوف الألماني هايدغر قال إن الإنسان معرض لخطر أن يتحول إلى مخزون يُستخدم واليوم صار انتباهنا هو ذلك المخزون الدافق كل ثانية نمرر فيها وكل لقطة نتوقف عندها وكل شعور نستهلكه بسرعة يتحول إلى بيانات تعيد تشكيل عالمنا القادم فنكتشف أننا لا نتصفح العالم بل إن العالم هو الذي يتصفحنا ويتعلم منا كيف يقدمنا لأنفسنا في المرة القادمة وفي خضم هذا تذبل القدرة على المكوث على البقاء مع فكرة واحدة حتى تنضج على قراءة صفحة لا تنتهي في 15 ثانية على الجلوس مع سؤال بلا إجابة جاهزة حتى أصبحنا نخشى الفراغ لا لأنه موحش بل لأننا نسينا كيف يكون الفراغ خصباً حتى نسينا أن المعنى لا يولد في الضجيج بل في المسافة الصامتة بين فكرتين حين يغيب المكث تغيب الذاكرة لا ذاكرة الحوادث بل ذاكرة المعنى فنتذكر ما تكرر عرضه علينا وننسى ما لم يُعرض وهنا تتشكل ذاكرة جماعية جديدة خفيفة سريعة قابلة للاستبدال ذاكرة لا تحمل جرحاً ولا حكمة بل تحمل آخر ترند ومعها تتحول القيم إلى ما هو قابل للتفاعل ما يثير يبقى وما يعمق يُؤجل إلى أن يُنسى لكن الإنسان لا يعيش بالتكرار وحده لأن في داخله نداءً قديمًا للسؤال عن لماذا هذا النداء لا يموت وإن غطته ألف طبقة من المحتوى فيظهر في لحظة سكون في طريق طويل في كتاب فُتح صدفة في حديث مع النفس قبل النوم وفي تلك اللحظة يدرك أن الحرية الحقيقية ليست في أن نقول كل ما نريد بل في أن نعرف ما الذي يستحق أن يُقال إن الخروج من هذه النعومة لا يكون بضجيج مضاد فالضجيج جزء من المنظومة الخروج يكون باستعادة حقين حق التأمل وحق الاختيار الواعي لما ندخله إلى عقلنا وقلبنا أن نقرأ ما لا يُرشح لنا أن نصغي لصوت لا يعلو وأن نمنح الفكرة وقتها الكامل حتى تكتمل فينا قد يبدو هذا فعلاً فردياً صغيراً لكنه في زمن السرعة فعل مقاومة مقاومة لا ترفع شعاراً بل تزرع معنى مقاومة لا تقول لا بصوت عالٍ بل تقول نعم لما هو أعمق وبهدوء وفي النهاية لن تحفظنا الخوارزميات ولن تنقذنا السرعة ما سينقذنا هو قدرتنا على أن نبقى بشراً يسألون بشراً يملكون لماذا أين بمن كيف ولمن يعيشون من أجله فيستطيعون أن يتحملوا أي كيف فربما لم يكن الصمت يوماً دليل ضعف ربما كان الصمت الواعي هو آخر أشكال الحضور الحضور الذي لا يبحث عن أن يُرى بل عن أن يفهم في ظل حمى الظهور التي تجتاحنا اليوم.










































