اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١١ أب ٢٠٢٦
د. محمد المسعودي
أحسب اليوم أننا بحاجة إلى نقل مكافحة الشائعات والادعاءات المضللة من ردّ فعل يأتي بعد انتشارها إلى ثقافة تسبقها، انطلاقًا من المدرسة والجامعة والإعلام والأسرة بالوعي الإعلامي والتربية الإعلامية؛ فلكلّ منها مساحة في صناعة مجتمع يعرف كيف يسأل، وكيف يتحقق، ومتى يتوقف عن المشاركة..
تبدأ أحياناً بصورة، وفي أحيان أخرى بمقطع قصير، أو خبر مجهول المصدر، أو رسالة واتسابية تصل إلى مجموعات وتسبقها العبارة الشهيرة: وصلني من ثقة!
بعد دقائق، الرسالة تغادر هاتف صاحبها إلى عشرات الهواتف، وبعد ساعة ربما أصبح لها جمهور وتعليقات وتأويلات وهاشتاقات وأشخاص يدافعون عنها. ومع كثرة التداول يحدث التحول الأخطر؛ تكتسب الشائعة شيئاً من صدقية زائفة لمجرد أن الناس تناقلوها!
هذه واحدة من أكثر مفارقات عصرنا الرقمي إثارة للقلق: يستطيع شخص مجهول أن يصنع ادعاءً مضللاً في دقائق، ثم يتكفل الآخرون بتوزيعه مجاناً.
لهذا أصبحت مكافحة الشائعات والادعاءات المضللة قضية تتصل بوعي المجتمع وسلامة فضائه المعلوماتي؛ فشائعة واحدة قد تمس شخصاً أو مؤسسة، وقد تربك الناس في قضية عامة، وقد ينجح ادعاء مضلل في صناعة تصور كامل اعتماداً على معلومة مبتورة أو صورة قديمة أو مقطع أُخرج من سياقه.
تأمل سلوكنا اليومي مع الأخبار: عنوان مثير يصلنا فنقرأه سريعاً، صورة تستفزنا فنرسلها إلى مجموعة أخرى، مقطع يثير الغضب فيسبق انفعالنا رغبتنا في معرفة مصدره. ومع الذكاء الاصطناعي وأدواته أصبحت صناعة الصورة والصوت والنص أكثر إقناعاً، وصار التضليل قادراً على ارتداء ملامح الحقيقة بدرجة تفرض علينا يقظة مختلفة؛ لتبقى المسافة الأخطر بين أن ترى المعلومة وأن تشاركها.
الدراسات الحديثة تعطينا سبباً وجيهاً للاهتمام بهذه اللحظة، ففي تحليل واسع نشره Huang وزملاؤه في مجلة Communication Research عام 2024، جُمعت فيه نتائج 49 دراسة تجريبية شملت أكثر من 81 ألف مشارك. وأظهرت النتائج أن تدخلات التربية الإعلامية حسّنت قدرة المشاركين على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة، وخفضت ميلهم إلى مشاركة المحتوى المضلل.
ما يستوقفنا في هذه النتيجة أن الإنسان يستطيع أن يتعلم كيف يوقف الشائعة، والتحقق يمكن أن تكون مهارة، بسؤال عن المصدر، وعودة إلى المنصات الرسمية، ومقارنة المعلومة بمصادر موثوقة، وفحص تاريخ الصورة وسياق الفيديو والجهة التي بدأت النشر. خطوات قد تستغرق دقيقة واحدة، لكنها أحياناً تغير مسار شائعة كاملة.
وفي نفس المنعطف، هناك جانب آخر في مكافحة الشائعات والادعاءات المضللة يستحق الاهتمام.. ماذا يحدث عندما نضع الحقيقة أمام المعلومة الكاذبة مباشرة؟، ففي دراسة نشرها Martel وRand في Nature Human Behaviour عام 2024، وجمعت نتائج 21 تجربة شارك فيها 14,133 شخصاً، وجدت أن تحذيرات مدققي الحقائق خفضت الاعتقاد بالعناوين الكاذبة بنسبة 27.6%، وخفضت الرغبة في مشاركتها بنسبة 24.7%. وحتى لدى المشاركين الأكثر تشككاً في مدققي الحقائق، بقيت التحذيرات ذات فاعلية كبيرة، وهذه أرقام تقول الكثير؛ التدخل في الوقت المناسب يستطيع أن يقطع الطريق على جزء من المحتوى المضلل قبل أن يجد جمهوراً جديداً.
وتضيف تجربة دولية نشرها Arechar وزملاؤه في Nature Human Behaviour بعداً آخر، حيث شملت الدراسة 34,286 شخصاً في 16 دولة عبر ست قارات، وأظهرت أن توجيه انتباه المستخدم إلى دقة المعلومة يحسن نوعية الأخبار التي يختار مشاركتها.
كما تقدم مراجعة علمية نشرها Kozyreva وزملاؤها في Nature Human Behaviour عام 2024 مجموعة واسعة من أدوات المواجهة؛ من التنبيه إلى الدقة، والتحقق من الحقائق، والقراءة الجانبية، وفحص مصداقية المصادر، إلى التحصين المسبق ضد أساليب التضليل.
أحسب اليوم أننا بحاجة إلى نقل مكافحة الشائعات والادعاءات المضللة من رد فعل يأتي بعد انتشارها إلى ثقافة تسبقها تنطلق من المدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الحكومية والمنصات والأسرة بالوعي الإعلامي والتربية الإعلامية؛ فلكل منها مساحة في صناعة مجتمع يعرف كيف يسأل، وكيف يتحقق، ومتى يتوقف عن المشاركة..
خصوصاً أننا دخلنا زمناً يستطيع فيه الادعاء المضلل أن يأتي بصورة احترافية، وصوت مقنع، ولغة واثقة، وأرقام تبدو دقيقة، وهنا تزداد قيمة الوعي الإعلامي؛ من يمنح الإنسان شيئاً نحتاجه بشدة وسط هذا التدفق، بالقدرة على التمييز.
وفي النهاية، تبدأ المواجهة من مكان صغير جداً، شاشة في يد إنسان، وهناك، بين وصول الخبر والضغط على زر لإعادة النشر، توجد لحظة حاسمة، قد تعبر منها الشائعة إلى مئات الأشخاص، وقد تنتهي عند صاحب الهاتف نفسه!
لنتوقف قليلاً، نتحقق، ثم نقرر.. فربما كانت الدقيقة التي نقضيها في التحقق هي الدقيقة التي تنتهي عندها الشائعة.










































