اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٦ نيسان ٢٠٢٦
د. سعود المريشد
حين أُعلنت رؤية الوطن 2030 في أبريل 2016، لم يكن الحدث مجرد إطلاق خطة تنموية، بل كانت لحظة مفصلية أعادت تعريف العلاقة بين الدولة ومشروعها الحضاري؛ كان الشعور العام آنذاك مزيجاً من الدهشة والترقب، فحجم الطموح تجاوز الأطر التقليدية للتخطيط الاقتصادي والتنموي، واتجه نحو إعادة صياغة شاملة لهوية الدولة ووظيفتها؛ وبعد مرور عقد كامل، تبدو الصورة أكثر وضوحاً، فلم تكن الرؤية وعداً مستقبلياً بقدر ما كانت بداية فعلية لتحول عميق تجسد في تفاصيل الحياة اليومية، وفي إعادة تعريف الاقتصاد، وفي تطوير البيئة التشريعية التي شكلت العمود الفقري لهذا التحول؛ لقد أثبتت التجربة أن الإرادة السياسية حين تقترن برؤية مؤسسية واضحة فإنها لا تكتفي بمجاراة التوقعات بل تعيد تشكيل حاضرها ورسم مستقبلها؛ وقد تجسد ذلك بوضوح في نهج صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، الذي أقدم على قرارات كانت حتى وقت قريب تصنف في خانة المحظورات أو المؤجلات، وتعامل سموه مع الإصلاح لا بمنطق التدرج المضني، بل بمنطق الكسر الإيجابي الذي يعيد رسم قواعد اللعبة من أساسها؛ وهذه الجرأة المحسوبة المقترنة بحنكة استراتيجية نادرة طبعت مسيرة سموه، وهي التي حولت الرؤية على يديه من وثيقة طموحة إلى مشروع دولة حي ومتحرك.
وتبدو هذه التحولات من الزاوية القانونية أكثر عمقاً حين تقرأ من خلال مسار الإصلاح التشريعي الذي رافق كل مرحلة من مراحل التنفيذ، ذلك أن القانون ليس أداة تلحق بالتنمية، بل هو شرط موضوعي لنجاحها وصيانتها؛ وقد شهد العقد الماضي موجة واسعة من التشريعات والأنظمة المستحدثة والمطورة، التي طالت منظومة البيئة الاجتماعية، ومنظومة المال والأعمال والصناعة والاستثمار، وارتكزت على معايير دولية باتت مرجعاً لصياغة الأطر التنظيمية الوطنية؛ وأسهمت هذه المنظومة التشريعية المتجددة في إرساء قواعد واضحة وملزمة تعتمد على مؤشرات أداء دقيقة، ما عزز مستويات الشفافية والمساءلة، ووفر بيئة قانونية أكثر استقراراً وجاذبية للمستثمر والمواطن على حد سواء؛ وقد رافق ذلك كله إعادة ترتيب للبنية المؤسسية للدولة أسهمت في تحسين فاعلية التنفيذ وترشيد الاختصاصات وتوحيدها.
ومع ذلك، فإن التطوير التشريعي بطبيعته عملية مستمرة لا تعرف الاكتمال النهائي، فالتغيرات المتسارعة في بنية الاقتصاد والمجتمع تفرض على منظومة التشريعات أن تبقى في حالة مراجعة وتحديث دائمين؛ وفي هذا السياق، يترقب الجميع صدور 'قانون العقوبات' الذي سيوفر إطاراً جنائياً حديثاً ومتكاملاً يحد من التباين في التفسيرات والأحكام، ويعزز مبدأ العدالة الجنائية؛ وكذلك 'قانون حماية المستهلك' الذي سيرسي منظومة متكاملة من الحقوق والضمانات التي تصون المستهلك وتحصن السوق من الاستغلال والممارسات غير النزيهة، وينشئ آليات شكاوى فعالة تعزز الثقة بين جميع أطراف المعاملة الاقتصادية؛ وكلاهما من الأنظمة الجوهرية التي ستكمل أساسيات بنيان المنظومة التشريعية للوطن.
وإذ كانت السنوات الماضية قد أثبتت قدرة الوطن على تحويل الطموح إلى واقع، فإن المرحلة المقبلة تحمل استحقاقات تشريعية أعمق وأكثر تعقيداً؛ فالتوسع في نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتزايد تدفقات الاستثمار الأجنبي، والنمو المتسارع للاقتصاد الرقمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، كلها تفرض الحاجة إلى أطر تنظيمية مرنة ومتقدمة في آن واحد؛ ولن يكون كافياً مجرد سن تشريعات جديدة، بل سيكون التحدي الحقيقي في بناء منظومة تشريعية قادرة على الاستجابة السريعة وتحقيق التوازن بين الابتكار والحماية القانونية؛ فالتنمية والابتكار اللذان لا يصونهما القانون قد ينفلتان، والقانون الذي لا يستوعب ضروراتهما قد يتكلس، وبين هذين الحدين تتجلى رؤية قيادتنا الرشيدة -أعزها الله- في رسم هذا التوازن الدقيق لتظل الرؤية متجددة في غاياتها وثابتة على مسارها.










































