اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٤ أب ٢٠٢٦
حسين بن حمد الرقيب
النمو هدف طبيعي لأي شركة، بزيادة المبيعات، وفتح فروع جديدة، والتوسع في أسواق مختلفة، والاستحواذ على شركات أخرى، كلها مؤشرات تبدو إيجابية. لكن المشكلة تبدأ عندما تكبر الشركة بسرعة أكبر من قدرة إدارتها على الاستيعاب، في هذه المرحلة لا يصبح النمو إنجازًا فقط، بل قد يتحول إلى عبء. الشركة الصغيرة تستطيع أحيانًا أن تُدار بالعلاقات المباشرة والقرارات السريعة ومعرفة المالك بكل التفاصيل. لكن عندما تتضاعف الإيرادات ويزداد عدد الموظفين والفروع والعملاء، لا تعود الطريقة القديمة صالحة. هنا تحتاج الشركة إلى أنظمة مالية أقوى، وصلاحيات واضحة، ورقابة داخلية، وإدارة مخاطر، وتقنية قادرة على التعامل مع حجم أكبر من العمليات. بعض الشركات تتوسع قبل أن تبني هذه الأسس. فتجد الإيرادات ترتفع، بينما المخزون يتضخم. وتزيد الفروع، لكن كفاءة التشغيل تتراجع. ويزداد عدد الموظفين، من دون وضوح في المسؤوليات. وقد تظهر الأرباح في القوائم المالية، بينما تبدأ التدفقات النقدية في الضعف. وهنا يبدو النمو جميلًا من الخارج، لكنه أقل جودة في الداخل.
أحد أخطر المؤشرات أن تستمر الإدارة بالطريقة نفسها التي كانت تدير بها شركة بحجم مليار ريال بعد أن أصبحت تدير شركة بثلاثة أو أربع مليارات. فزيادة الحجم لا تعني فقط زيادة الأرقام، بل زيادة التعقيد أيضًا. كلما كبرت الشركة، أصبحت الأخطاء الصغيرة أكثر تكلفة.
خطأ بسيط في إدارة المخزون قد يتحول إلى عشرات الملايين. ضعف الرقابة على الائتمان قد يرفع الذمم المدينة. التوسع السريع في الفروع قد يستهلك السيولة، والاستحواذات المتتالية قد تجعل الإدارة مشغولة بضم الشركات الجديدة أكثر من تحسين الأعمال الأساسية.
وتزداد الخطورة عندما يصبح القرار محصورًا في عدد محدود من الأشخاص، بينما تتوسع الشركة جغرافيًا وتشغيليًا. فالإدارة التي كانت قادرة على متابعة كل التفاصيل في مرحلة التأسيس قد تتحول لاحقًا إلى عنق زجاجة يؤخر القرارات ويضعف المساءلة. لذلك فإن النمو يتطلب أيضًا تطوير مجلس الإدارة، وبناء صف ثانٍ من القيادات، وتفويض الصلاحيات ضمن إطار واضح، بحيث لا تصبح المؤسسة أكبر من قدرتها على اتخاذ القرار.
ولهذا لا يكفي أن نسأل: كم نمت مبيعات الشركة؟
السؤال الأهم: 'هل نمت الإدارة بالسرعة نفسها؟'
الشركات الناجحة لا تبني الفروع فقط، بل تبني المؤسسات. تطور أنظمتها قبل أن تتضخم عملياتها، وتستقطب الكفاءات قبل أن تصبح الحاجة إليها أزمة، وتعيد توزيع الصلاحيات كلما تغير حجم الأعمال. النمو الحقيقي ليس أن تصبح الشركة أكبر فقط، بل أن تصبح أكثر قدرة على إدارة هذا الحجم. فبعض الشركات لا تتعثر لأنها توقفت عن النمو، بل لأنها نمت أسرع مما تستطيع إدارتها.










































