اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٩ تموز ٢٠٢٦
م. هاني الغفيلي
لم يعد أخطر ما يواجه الإعلام اليوم هو صناعة الشائعات، بل هوس الناس بتناقلها، وإن ذكرناها بحقيقتها المجردة فسنقول 'الأكاذيب'، فالمعلومة لا تحتاج سوى إلى ثوانٍ لتجوب العالم، وإلى آلاف الأشخاص الذين يضغطون زر 'إعادة النشر' دون أن يتوقفوا للحظة ليسألوا أنفسهم، هل هذه المعلومة صحيحة؟ ومن أين جاءت؟ وهل تستحق أن أكون جزءًا من نشرها؟ لقد أصبحت سرعة التفاعل عند كثيرين أهم من صحة المعلومة، وأصبح السبق في النشر يتقدم على شرف التحقق، حتى غدت الحقيقة تصل متأخرة، بينما تكون الشائعة قد أنجزت مهمتها في إثارة الرأي العام، وإرباك المجتمع، وتشويه السمعة، وصناعة قناعات يصعب تغييرها.
لقد شهد الإعلام خلال العقد الأخير تحولًا غير مسبوق بفعل التقنية، وعصر الشبكات الاجتماعية، والتضخم المعلوماتي، وأدوات الذكاء الاصطناعي، حتى أصبح إنتاج المحتوى متاحًا للجميع، ولم يعد الوصول إلى المعلومة أو صياغتها أو تصميمها أو إخراجها حكرًا على الإعلاميين والمتخصصين، وهذا التطور أفرز تحديًا أكبر، وهو تراجع قيمة المصداقية لدى جزء من الجمهور، فبدلًا من أن يكون السؤال الأول هو 'هل هذه المعلومة صحيحة؟'، أصبح السؤال 'هل ستجذب الانتباه؟'.
ومع هذا التحول، لم تعد الحقيقة وحدها قادرة على المنافسة، بل أصبحت العاطفة هي العملة الأكثر رواجًا، فالمحتوى الذي يثير الخوف، أو الغضب، أو الدهشة، أو الفضول، يحظى بانتشار أكبر من المحتوى الذي يستند إلى الأدلة والوقائع؛ وتشير دراسات في علم النفس الإعلامي إلى أن الإنسان يميل بطبيعته إلى مشاركة المعلومات التي تثير مشاعره أكثر من المعلومات المحايدة، لأن الاستجابة العاطفية غالبًا ما تسبق التفكير النقدي، بينما يحتاج التحقق إلى وقت وجهد لا يرغب كثيرون في بذله.
وتؤكد الدراسات أن هذا السلوك ليس مجرد انطباع، بل حقيقة مدعومة بالأرقام، فقد توصلت دراسة شهيرة نشرها باحثون من معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) في مجلة Science إلى أن الأخبار الكاذبة تنتشر على منصة إكس، تويتر سابقًا، أسرع من الأخبار الصحيحة، وأن احتمال إعادة نشرها يزيد بنحو 70 %، كما أثبتت الدراسة أن الأخبار الكاذبة تصل بشكل أسرع بنحو 6 مرات من الأخبار الصحيحة.
ولعل ما يزيد المشهد تعقيدًا أن الخوارزميات لا تكافئ الحقيقة بقدر ما تكافئ التفاعل، فهي لا تسأل إن كان المحتوى دقيقًا، وإنما تقيس عدد المشاركات، والتعليقات، ومدة المشاهدة، ومعدل التفاعل، ولذلك نجد أن الشائعة غالبًا ما تتصدر المشهد لأنها تلامس المشاعر، بينما تحتاج الحقيقة إلى وقت وجهد لإثباتها.
ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، لم يعد التضليل يقتصر على النصوص، بل أصبح بالإمكان إنتاج صور، ومقاطع صوتية، وفيديوهات مزيفة بدرجة عالية من الإقناع يصعب على المتلقي العادي اكتشافها، الأمر الذي يجعل مسؤولية الإعلام أكثر أهمية من أي وقت مضى، ويجعل التحقق، والتدقيق، والرجوع إلى المصادر الرسمية، خطوط الدفاع الأولى أمام موجات التضليل.
لقد كان الإعلام المهني، ولا يزال، يقوم على قاعدة بسيطة لكنها عظيمة، وهي أن المصداقية تسبق السرعة، وأن التحقق يسبق النشر، وأن جمع المصادر ومراجعتها وصياغة المحتوى بمهنية هو الطريق الوحيد لبناء الثقة، وهذه المبادئ لم تفقد قيمتها، بل ازدادت أهمية في عصر الفوضى الرقمية، فالصحفي الحقيقي لا يُقاس بعدد الأخبار التي ينشرها، بل بعدد الأخبار التي امتنع عن نشرها لأنها لم تستوفِ معايير الدقة، والإعلامي المؤثر ليس من يحقق ملايين المشاهدات بأي ثمن، وإنما من يحافظ على ثقة جمهوره حتى وإن تأخر في النشر دقائق أو ساعات.
إن أخطر ما في الشائعة ليس أنها كاذبة، بل إنها تجد من يمنحها الحياة، فكل إعادة إرسال دون تحقق، وكل تعليق يضيف إليها زخمًا، وكل مشاركة بدافع الفضول أو العاطفة، تجعل صاحبها جزءًا من دائرة التضليل، حتى وإن كانت نيته حسنة. والحقيقة لا تحتاج إلى من يصفق لها، لكنها تحتاج إلى من يحميها، أما الكذبة فلا تعيش إلا إذا وجد من يمنحها فرصة جديدة مع كل إعادة إرسال، ولهذا فإن أول خطوة في مواجهة التضليل ليست في تطوير الخوارزميات وحدها، بل في أن يتوقف كل واحد منا قبل أن يضغط زر 'إعادة النشر'، ويسأل نفسه، هل أنشر حقيقة، أم أساعد في صناعة كذبة جديدة؟.










































