اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة الوئام الالكترونية
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
عندما تتلقى شركة طلبات جديدة، فإن الخطوة التالية قد تكون زيادة الإنتاج لتلبية احتياجات العملاء، لكن هل يعني ذلك بالضرورة تعيين موظفين جدد بالوتيرة نفسها؟ هذا السؤال تطرحه نتائج مؤشر مديري المشتريات السعودي لشهر أكتوبر 2026، بعدما كشفت عن اختلاف واضح بين سرعة نمو الطلبات الجديدة والإنتاج والتوظيف في القطاع الخاص غير النفطي.
فبينما تسارع النشاط الإنتاجي للشركات السعودية خلال أكتوبر، تباطأت وتيرة نمو الطلبات الجديدة والتوظيف مقارنة بسبتمبر، رغم استمرار جميعها في الاتجاه التوسعي. ويعكس هذا المشهد اقتصادًا غير نفطي يواصل النمو، لكنه يواجه تحديات تتعلق بتكاليف التشغيل واضطرابات سلاسل الإمداد وتراجع الطلب الخارجي.
وتكشف القراءة التفصيلية للمؤشر، الصادر عن بنك الرياض بالتعاون مع مؤسسة «ستاندرد آند بورز جلوبال»، أن العلاقة بين زيادة المبيعات وخلق الوظائف ليست آلية أو فورية، وأن توسع الشركات قد يبدأ بزيادة الإنتاج والمشتريات قبل أن يتحول إلى زيادة أكبر في أعداد العاملين.
54 نقطة.. القطاع الخاص يواصل التوسع للشهر السابع
سجل مؤشر بنك الرياض لمديري المشتريات 54 نقطة خلال أكتوبر 2026، مقابل 55.3 نقطة في سبتمبر، بانخفاض قدره 1.3 نقطة، وفق البيانات الصادرة في الثالث من نوفمبر.
ورغم التراجع، بقي المؤشر أعلى من المستوى المحايد البالغ 50 نقطة، بما يشير إلى استمرار تحسن ظروف الأعمال في القطاع الخاص غير النفطي للشهر السابع على التوالي.
كما جاءت قراءة أكتوبر في ثاني أعلى مستوى لها منذ فبراير، ما يعكس استمرار النشاط الاقتصادي الإيجابي رغم فقدان جزء من الزخم الذي تحقق خلال سبتمبر.
لكن قراءة 54 نقطة لا تعني أن الاقتصاد نما بنسبة 4%؛ فمؤشر مديري المشتريات يقيس اتجاه التغير في النشاط مقارنة بالشهر السابق، وليس معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي أو عدد الوظائف المضافة.
الطلبات الجديدة.. نمو مستمر ولكن بوتيرة أبطأ
أظهرت نتائج أكتوبر استمرار ارتفاع حجم الطلبات الجديدة لدى شركات القطاع الخاص غير النفطي، لكن بوتيرة أبطأ من سبتمبر، الذي سجل أقوى زيادة خلال سبعة أشهر.
ويعني ذلك أن الشركات لا تزال تستقبل أعمالًا جديدة، غير أن سرعة توسع الطلب أصبحت أقل مقارنة بالشهر السابق.
وجاء السوق المحلي في مقدمة محركات الطلب، حيث ساعدت المبيعات المحلية على استمرار نمو دفاتر الطلبات، بينما تعرض النشاط المرتبط بالأسواق الخارجية لضغوط متزايدة.
وسجلت طلبات التصدير الجديدة انخفاضًا للشهر الثامن على التوالي، وبوتيرة أسرع، في ظل اضطرابات حركة الشحن وارتفاع تكاليف النقل والتأمين وزيادة المنافسة.
وأشار المسح إلى أن ما يقارب ربع الشركات المشاركة أبلغ عن تراجع في مبيعات التصدير.
وتكشف هذه المعطيات اختلافًا مهمًا بين السوقين المحلي والخارجي، إذ استمر الطلب الداخلي في دعم نشاط الشركات، بينما حد ضعف التجارة الخارجية من قدرة الأعمال الجديدة على النمو بوتيرة أسرع.
الإنتاج يتسارع رغم تباطؤ الطلبات
من أبرز نتائج أكتوبر تسارع نمو الإنتاج مقارنة بسبتمبر، رغم تباطؤ نمو الطلبات الجديدة.
وأرجعت الشركات زيادة النشاط إلى تحسن الطلب الأساسي وتعزيز جهود المبيعات والتسويق، مع استمرار تنفيذ الأعمال القائمة.
ويكشف هذا التباين أن حجم الإنتاج خلال شهر معين لا يتوقف بالضرورة على الطلبات التي تستقبلها الشركات خلال الشهر نفسه.
فقد تتعامل الشركات مع طلبات تراكمت في فترات سابقة، أو ترفع معدلات التشغيل للاستجابة لالتزامات قائمة، أو تستخدم قدراتها الإنتاجية بصورة أكثر كثافة.
وهذه تفسيرات اقتصادية محتملة للعلاقة بين الطلب والإنتاج، وليست أسبابًا مستقلة أثبتها المسح لكل شركة.
وتدعم بيانات الأعمال المتراكمة أهمية هذا التمييز، بعدما سجلت ارتفاعًا طفيفًا للشهر الثاني على التوالي، نتيجة زيادة أحجام المبيعات وبعض التأخيرات لدى الموردين.
ومع ذلك، ظل نمو الإنتاج أقل من متوسطه التاريخي، ما يشير إلى أن التسارع المسجل لا يمثل بالضرورة عودة إلى أعلى مستويات النشاط السابقة.
التوظيف يرتفع للشهر الرابع.. لكن بحذر
على صعيد سوق العمل، واصلت شركات القطاع الخاص غير النفطي زيادة أعداد العاملين خلال أكتوبر، للشهر الرابع على التوالي.
لكن وتيرة خلق الوظائف جاءت محدودة وأبطأ من سبتمبر، على الرغم من تسارع نمو الإنتاج.
وهنا تظهر الإجابة الأساسية عن السؤال الذي يطرحه التقرير: الطلبات والوظائف يتحركان في اتجاه إيجابي واحد، لكنهما لا يتوسعان بالسرعة نفسها، كما أن الإنتاج سجل مسارًا أسرع خلال الشهر.
ومن الناحية الاقتصادية، قد تفضل الشركات رفع مستوى الاستفادة من العمالة الحالية أو تحسين تنظيم العمليات قبل اتخاذ قرارات بتوسيع فرق العمل.
كما يمكن أن تجعل زيادة تكاليف التشغيل وعدم اليقين بشأن الطلب المستقبلي قرارات التوظيف أكثر تحفظًا، لكن البيانات المتاحة لا تسمح بتحديد وزن كل عامل في قرارات الشركات السعودية خلال أكتوبر.
ومن المهم التأكيد أن مسح مديري المشتريات لا يحدد عدد الوظائف الجديدة التي أُنشئت بالفعل، ولا يبين توزيعها بين المواطنين والوافدين، ولا يقدم قياسًا مباشرًا لمعدلات البطالة.
ارتفاع تكاليف الموظفين يضيف ضغوطًا جديدة
تزامن تباطؤ نمو التوظيف مع ارتفاع تكاليف الموظفين بأسرع وتيرة منذ فبراير 2026.
وفي الوقت نفسه، تسارعت زيادة أسعار المشتريات إلى أعلى معدل خلال ستة أشهر، مدفوعة بارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والمواد الخام والطاقة.
وتعني هذه التطورات أن توسع النشاط الإنتاجي جاء في بيئة تشهد ارتفاعًا في تكاليف ممارسة الأعمال.
وفي المقابل، تباطأت وتيرة ارتفاع أسعار البيع إلى أدنى مستوى خلال تسعة أشهر، نتيجة المنافسة وتقديم بعض الشركات تخفيضات سعرية.
ويشير هذا الاختلاف بين تكاليف المدخلات وأسعار البيع إلى احتمالات تعرض هوامش الربح للضغط، إذا لم تتمكن الشركات من تمرير الزيادات في التكلفة إلى العملاء بصورة كاملة.
وقد يشكل ذلك أحد العوامل التي تستحق المتابعة عند تحليل قرارات التوظيف المستقبلية، خصوصًا إذا استمرت الضغوط السعرية بالتزامن مع تباطؤ الطلبات الجديدة.
الشركات تزيد المخزون استعدادًا للطلب
لم يتوقف النشاط عند الإنتاج والتوظيف، إذ أظهر المسح استمرار نمو مشتريات مستلزمات الإنتاج بوتيرة قوية، كانت ثاني أسرع وتيرة منذ فبراير.
كما زادت الشركات مخزوناتها من مستلزمات الإنتاج، في خطوة ارتبط جانب منها بالاستعداد لاحتمال حدوث اضطرابات إضافية في سلاسل الإمداد.
وشهدت مواعيد تسليم الموردين تحسنًا محدودًا، هو الأضعف منذ أبريل، بينما دفعت اضطرابات مسارات الشحن بعض الشركات إلى زيادة الاعتماد على مصادر محلية.
ويمكن النظر إلى هذه التحركات باعتبارها محاولة للحفاظ على استمرارية التشغيل، في وقت تظل فيه حركة الإمدادات الخارجية عرضة للضغوط.
لكن ارتفاع المخزونات لا يمثل بالضرورة دليلًا على توقع زيادة مؤكدة في الطلب، فقد يكون إجراءً احترازيًا لتجنب نقص المواد.
كيف تُحسب مكونات مؤشر مديري المشتريات؟
لفهم التباعد بين الطلبات والإنتاج والوظائف، يجب النظر إلى طريقة حساب مؤشر مديري المشتريات الرئيسي، الذي يتكون من خمسة مؤشرات فرعية بأوزان مختلفة.
وبذلك تستحوذ الطلبات الجديدة والإنتاج والتوظيف مجتمعة على 75% من وزن المؤشر الرئيسي.
وهذا يفسر كيف يمكن أن يتراجع المؤشر العام رغم تسارع الإنتاج، إذا كان تباطؤ المكونات الأخرى كافيًا للتأثير في القراءة النهائية.
وتستند بيانات المسح إلى استجابات مديري المشتريات لدى نحو 400 شركة من القطاع الخاص، تشمل التصنيع والإنشاءات وتجارة الجملة والتجزئة والخدمات.
وجُمعت بيانات إصدار أكتوبر بين 12 و22 من الشهر نفسه.
ولا يتضمن البيان الصحفي المنشور القيم الرقمية التفصيلية لكل مؤشر فرعي في أكتوبر، لذلك يمكن تحديد اختلاف اتجاهات النمو، لكن لا يمكن حساب الفجوة الرقمية الدقيقة بين مؤشرات الطلبات والإنتاج والتوظيف من المعلومات المتاحة.
هل يعكس التباعد تحسنًا في إنتاجية الشركات؟
يمكن نظريًا أن يشير تسارع الإنتاج بالتزامن مع نمو أبطأ للتوظيف إلى قدرة الشركات على إنتاج المزيد دون زيادة مماثلة في عدد العاملين.
لكن إثبات تحسن الإنتاجية يحتاج إلى بيانات فعلية عن حجم الإنتاج وساعات العمل والعمالة المستخدمة، وليس مجرد مقارنة اتجاهات مؤشرات مديري المشتريات.
كذلك لا يمكن استنتاج أن الشركات بدأت الاستغناء عن العمالة؛ فالمسح أظهر استمرار زيادة التوظيف، وإن كانت بوتيرة محدودة.
ولذلك فإن التفسير الأدق لنتائج أكتوبر هو أن توسع النشاط الاقتصادي لم يتحول بالوتيرة نفسها إلى تسارع في التعيينات، دون وجود دليل كافٍ على تغير دائم في العلاقة بين الإنتاج والعمالة.
الطلب المحلي يحافظ على النشاط رغم التحديات
تؤكد نتائج المسح أهمية الطلب المحلي في دعم استمرار توسع الاقتصاد غير النفطي السعودي، خاصة مع تراجع الصادرات الجديدة للشهر الثامن على التوالي.
وفي هذا السياق، أشار نايف الغيث، كبير الاقتصاديين في بنك الرياض، إلى مرونة نشاط القطاع الخاص خلال أكتوبر، مدعومًا باستمرار الطلب المحلي وتحسن النشاط التجاري والتوسع في التوظيف.
كما اعتبر تسارع الإنتاج من التطورات الإيجابية، رغم الظروف الجيوسياسية وتحديات التجارة الإقليمية.
ومع ذلك، ظلت ثقة الشركات بشأن النشاط المستقبلي عند مستويات محدودة نسبيًا، متأثرة باستمرار حالة عدم اليقين وارتفاع التكاليف.
ويعني ذلك أن الشركات تحافظ على التوسع، لكنها لا تتعامل مع الأشهر المقبلة باعتبارها خالية من المخاطر.
ما المؤشرات التي يجب مراقبتها خلال نوفمبر؟
تتوقف معرفة ما إذا كان التباعد بين الطلبات والإنتاج والتوظيف مؤقتًا على نتائج الأشهر التالية.
وسيكون من المهم متابعة ما إذا كان نمو الطلبات الجديدة سيستعيد سرعته، وما إذا كانت زيادة الإنتاج ستستمر بالتزامن مع توسع أكبر في التوظيف.
كما تستحق الأعمال المتراكمة وأسعار المدخلات ومخزونات الشركات وطلبات التصدير اهتمامًا خاصًا، لأنها تساعد على فهم احتياجات التشغيل المستقبلية.
فإذا استمر الإنتاج في الارتفاع مع تباطؤ التوظيف، فقد يعكس ذلك تغيرًا في طريقة استجابة الشركات للطلب، لكن الحكم يحتاج إلى بيانات لعدة أشهر وإحصاءات رسمية مكملة.
أما إذا تسارع نمو الوظائف بالتزامن مع تحسن الطلبات الجديدة، فسيعطي ذلك إشارة أوضح إلى انتقال التوسع في النشاط إلى زيادة الطلب على العمالة.
هل تتحرك الطلبات والوظائف معًا في الاقتصاد السعودي؟
تكشف بيانات أكتوبر 2026 أن الإجابة هي نعم من حيث اتجاه التوسع، ولكن ليس بالضرورة من حيث سرعة النمو.
فالطلبات الجديدة واصلت الارتفاع، والإنتاج تسارع، والتوظيف استمر في الزيادة للشهر الرابع، وإن بوتيرة أبطأ.
ويعكس ذلك قدرة القطاع الخاص غير النفطي على مواصلة النشاط في مواجهة تحديات التجارة والتكاليف، لكنه يوضح في الوقت نفسه أن تحسن الطلب لا يتحول تلقائيًا إلى تسارع مماثل في التعيينات.
وتبقى قوة القطاع الخاص مرتبطة ليس فقط باستمرار نمو الإنتاج والمبيعات، بل أيضًا بمدى استدامة هذا النمو وقدرته على دعم فرص العمل في الأجل الأطول.










































