اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٤ أب ٢٠٢٦
د. عبدالعزيز اليوسف
قوة الدوريات الكبرى لا تقاس بحجم ما تنفقه، بل بقدرتها على تحويل كل إنفاق إلى قيمة مستدامة. وبين التوقيع والمخالصة مساحة واسعة من الحوكمة والتخطيط والانضباط المالي. وكلما نجحت الأندية في إدارة هذه المساحة بوعي مؤسسي، تحول الإنفاق إلى استثمار يصنع البطولات، وإلا أصبحت العقود عبئاً يستهلك الموارد ويحد من القدرة على النمو والمنافسة..
نجح المشروع الرياضي السعودي في استقطاب نخبة من نجوم كرة القدم، وحقق للدوري حضوراً عالمياً وقيمة تسويقية مرتفعة في فترة وجيزة. انعكس ذلك على حقوق النقل، والمتابعة الدولية، وجودة المنافسة. غير أن نجاح أي مشروع لا يقاس بجذب الأسماء اللامعة فقط، بل بقدرته على تحويل هذا الإنفاق إلى قيمة مستدامة. وهنا تبرز أهمية الانتقال من ثقافة التوقيع إلى ثقافة الإدارة الرشيدة للعقود.
المشكلة لا تكمن في دفع مبالغ ضخمة للاعب استثنائي، فهذه طبيعة المنافسة الحديثة، بل تبدأ عندما يتحول العقد إلى عبء يصعب الخروج منه. تمنح بعض العقود ضمانات مالية كاملة لسنوات طويلة، بينما يبقى العائد الفني غير مضمون. قد يتراجع المستوى، أو تختلف احتياجات الفريق، ومع ذلك يظل النادي ملزماً بعقد تعجز الإدارة عن تعديله أو إنهائه دون خسائر جديدة. لا تصبح الأزمة حينها في قيمة التوقيع، بل في كلفة المخالصة.
تتجاوز الخسائر المبالغ المدفوعة عند التعاقد لتشمل الرواتب والمكافآت والتعويضات. وقد تجد الإدارة نفسها مضطرة لدفع مبالغ كبيرة للاعب مقابل الرحيل، أو تحمل جزء من راتبه في حال إعارته، فتدفع عند التوقيع وتدفع مجدداً عند المغادرة، وهي معادلة تعيق الاستدامة المالية وتحد من مرونة التخطيط طويل المدى.
وتزداد الصورة وضوحاً عند النظر إلى الجانب السلوكي ومفهوم المخاطر الأخلاقية في الاقتصاد، إذ إن الضمان المالي الكامل قد يقلل الإحساس بالمسؤولية. فعندما لا يرتبط الدخل بمستوى الأداء أو الانضباط، يضعف الحافز لدى بعض اللاعبين لبذل أقصى جهد. اللاعب الذي جاء بحثاً عن عقد استثنائي قد يرى أنه حقق هدفه الأساسي بمجرد التوقيع، لتصبح البطولات أهدافاً ثانوية لا تمثل أولوية حقيقية.
ويمتد أثر هذه العقود إلى القرار الفني داخل الملعب. فالمدرب قد يواجه ضغطاً لإشراك لاعب مرتفع التكلفة حتى لو لم يكن في أفضل حالاته، تجنباً لإظهار الصفقة بمظهر الفشل. كما قد تتردد الإدارة في اتخاذ قرارات حاسمة بسبب ضخامة الالتزام المالي، فيتقدم الاعتبار الاقتصادي على الفني، رغم أن مصلحة الفريق يجب أن تبقى المعيار الأول.
كما تنعكس هذه الفوارق على غرفة الملابس. يقارن اللاعبون بين ما يقدمونه وما يحصل عليه زملاؤهم، وعندما يرى لاعب مجتهد آخر يتقاضى أضعاف راتبه دون مردود مماثل، يتولد شعور بعدم العدالة. ومع الوقت ترتفع المطالبات المالية، ويختل هيكل الأجور، وتتحول العقود المرتفعة إلى مرجع تفاوضي يضغط على الأندية في الصفقات المستقبلية.
خارجياً.. يؤدي تكرار أخبار المخالصات الباهظة إلى تشكيل صورة ذهنية بأن السوق يدفع بسخاء عند التعاقد والرحيل معاً، ما يضعف الانطباع عن الدوري كمشروع احترافي قائم على الكفاءة الاستثمارية. كما يعزز ذلك سلوك الوكلاء في التركيز على القيمة المالية بوصفها العنصر الحاسم في التفاوض، بدلاً من المشروع الرياضي والطموح التنافسي.
غير أن معالجة هذه التحديات لا تكون بتقليل الإنفاق، بل برفع جودة الإنفاق. فالعقد الناجح هو الذي يوازن بين حقوق اللاعب والنادي، ويربط جزءاً من القيمة المالية بالمشاركة والأداء والبطولات، بما يضمن تحفيزاً مستمراً طوال مدة العقد.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تفعيل قواعد اللعب المالي النظيف على المستوى المحلي، من خلال وضع سقف للأجور وربط الإنفاق بإيرادات النادي المباشرة، بما يمنع التضخم المالي ويحد من تراكم الديون. كما يمكن إدراج بنود أداء مرنة داخل العقود، تسمح بتعديل الراتب أو إنهاء العقد تلقائياً في حال تدني المشاركة أو الإخلال بالانضباط، بما يعزز المسؤولية المتبادلة بين الطرفين.
إلى جانب ذلك، يصبح دور شركات كرة القدم والاستثمار المؤسسي محورياً في ضبط القرار الرياضي، عبر لجان فنية وإدارية مستقلة تحد من القرارات الفردية أو العاطفية في سوق الانتقالات، وتضمن أن تكون الصفقات مبنية على تحليل اقتصادي وفني متكامل.
كما تبرز أهمية إدارة القيمة المتبقية للاعب، من خلال التركيز على التعاقد مع لاعبين في أعمار تسمح بإعادة بيعهم مستقبلاً بقيمة استثمارية، بدلاً من استنزاف الموارد في عقود نهائية للاعبين في المراحل المتأخرة من مسيرتهم، حيث تنخفض فرص العائد المالي.
ويبقى القول: قوة الدوريات الكبرى لا تقاس بحجم ما تنفقه، بل بقدرتها على تحويل كل إنفاق إلى قيمة مستدامة. وبين التوقيع والمخالصة مساحة واسعة من الحوكمة والتخطيط والانضباط المالي. وكلما نجحت الأندية في إدارة هذه المساحة بوعي مؤسسي، تحول الإنفاق إلى استثمار يصنع البطولات، وإلا أصبحت العقود نفسها عبئاً يستهلك الموارد ويحد من القدرة على النمو والمنافسة.










































