اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣٠ نيسان ٢٠٢٦
د. سعود المريشد
تبرز مفارقة عجيبة حين تلجأ مؤسسة متخصصة في إنتاج المعرفة وتقديم الحلول إلى استيراد وصفتها التحولية لهيكلتها من خارج أروقتها، متجاهلة بذلك ما تزخر به من طاقات بحثية وخبرات متراكمة؛ إذ تنفرد مراكز الفكر والبحث والاستشارات باحتضانها نخبة من الباحثين والخبراء المتنوعين في تخصصاتهم العلمية وخلفياتهم المهنية، ممن أمضوا سنوات في تحليل المنظومات المؤسسية وتقييم السياسات؛ وقد أتاح لهم هذا التراكم المعرفي إنتاج نماذج وطنية للهيكلة والإدارة نابعة من فهم دقيق للخصوصية المحلية؛ وبناء على هذا العمق الميداني، تعد هذه المراكز من أكثر المؤسسات تهيؤاً لقيادة تحولها الاستراتيجي من الداخل بنفسها؛ فهي تمتلك الأدوات اللازمة لصياغة مستقبلها دون الحاجة لاستيراد قوالب جاهزة، ما يضمن توافق هيكلها الجديد مع رسالتها الفكرية وواقعها العملي؛ ومن ثم، فإن فكرة اللجوء إلى شركات استشارية خارجية لرسم ملامح هيكلة مؤسسية كهذه يثير تساؤلًا جوهرياً حول جدوى الاستثمار في هذه العقول إذا كانت عاجزة عن رسم خارطة طريق لبيتها الداخلي؛ فحين تفضل المؤسسة المعرفة والحلول المستوردة على حساب الكفاءة الداخلية المتوفرة، فإن ذلك لا يعكس ضعفاً في الكادر البشري بقدر ما يكشف عن نمط قيادي وإداري يغلب القوالب المعلبة والحلول المرئية ذات الأثر الإعلامي اللحظي على حساب العمليات التحويلية العميقة والمستدامة التي تنبثق من داخل المنظومة ذاتها.
إن الاستعانة بشركة استشارية عالمية في فترة عقد قصير المدى وبمقابل مالي مرتفع يكشف عن توجه إداري يقدم الشكل على المضمون، ويسعى لحصد مكاسب إعلامية عابرة على حساب الاستدامة، حيث يغلب بريق العروض التقديمية على عمق المحتوى التحليلي؛ فمثل هذه الشركات تتمتع بقدرة تسويقية عالية في صياغة المصطلحات وتصميم الوثائق الاستراتيجية، غير أن قيمتها الفعلية تتضاءل حين تكون المؤسسة المستهدفة هي ذاتها مصدراً معرفياً راسخاً؛ إذ لا يعدو دور هذه الشركات كونه تدويراً للمعرفة الداخلية، عبر امتصاص خبرات المنسوبين ورؤيتهم وإعادة تصديرها إليهم في قوالب فاخرة، وكأنها كما وصفها المثال المعروف 'بيعاً للماء في حارة السقايين'، باعتبارها عملية لا تضيف قيمة حقيقية بقدر ما هي أعادة تمرير بعد التغليف البراق لقرارات كان الأحرى أن تصدر بلسان أصحابها الأساسيين؛ وهنا تبرز إشكالية مزدوجة تظهر تهميش الكفاءات الداخلية رغم امتلاكها السياق المؤسسي والمعرفة التراكمية، وكذلك في أن مخرجات التغيير تقاس بالإعلان والظهور لا بالأثر الفعلي، وهذا النهج يفرز ثقافة مؤسسية تربط الإنجاز بالإعلان والترويج عنه، لا بالقيمة التي يضيفها على أرض الواقع.
إن الإصلاح المؤسسي الحقيقي ليس سلعة تستورد، بل هو عملية نضج تبنى من داخل المنظومة نفسها، وبأيدي وعقول أبنائها الذين يدركون تفاصيل حاضرها ويرسمون رهانات مستقبلها؛ وفي حالة مراكز الفكر تحديداً، يمثل الباحثون والمحللون المتخصصون رأسمال معرفياً استثنائياً لا يمكن لأي شركة استشارية أن تعوضه، باعتبارهم الأقدر على فهم طبيعة المؤسسة، وتشخيص إشكالياتها البنيوية، وقيادة رهاناتها المستقبلية؛ فمسؤولية القيادة في أي مؤسسة تكمن في توظيف الطاقة الداخلية ضمن منهجية تشاركية، بدلاً من تجاوزها بحثاً عن شرعية رمزية تمنحها الأسماء الكبيرة للشركات الاستشارية؛ فالثقة بالكفاءة الداخلية وتمكينهاً، هي معيار جوهري لقياس نضج القيادة وفاعليتها المعرفية في إدارة التحول؛ والمؤسسة التي تعجز عن هيكلة ذاتها بكفاءاتها الداخلية، تقر ضمنياً بأنها تنتج المعرفة وتصدرها للآخرين، دون أن تمتلك الثقة الكافية بمخرجاتها حين يتعلق الأمر بنفسها؛ وهو واقع ملموس -مع الأسف- ويضع علامات استفهام كبرى حول جدوى استيراد المعرفة من الخارج بينما المنابع في الداخل تفيض بخبرائها.










































