اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٤ أيلول ٢٠٢٦
د. سوسن العتيبي
يشير وائل حلّاق لدعوى المستشرقين؛ الذين يرون انعدام الثقافة العربية قبل احتكاكها بحضارات غير عربيّة، وما حصل من انتقال الإرث الإغريقي وغيره…إلى العرب بعد الإسلام. وأن فتحهم لتلك المناطق، ووجود مدن متطورة؛ أوجب الاحتياج لتشريعات ومنظومات معقدة، تتجاوز مصادر العرب المعرفية والثقافية البدوية! فيرد وائل على هذه الدعوى بدعوى أخرى تزعم أن الإرث الثقافي العربي امتداد للحضارات العربية السابقة في الشرق الأدنى، وأن القبائل العربية ببداوتها في وسط الجزيرة كانت على صلة وثيقة بالمدن والحواضر العربية وثقافاتها جنوب وشمال الجزيرة العربية؛ حيث شكّلت وحدة للمنطقة العربية، وتواصل ثقافي قبل الإسلام. يقول حلّاق: «ثقافة المنطقة العربية قبل الإسلام جزء جوهري من الثقافة العامّة للشرق الأدنى. فلقد كان عرب شبه الجزيرة خلال اتصالهم الوثيق بعرب الشمال الذين كانوا يسيطرون على الهلال الخصيب في القرون التي سبقت ظهور الإسلام، يحتفظون بأشكال من الثقافة وثيقة الصلة بتلك التي كانت منتشرة في الشمال. وقد كان البدو أنفسهم جزءا من الخارطة الثقافية إلى حدّ ما».
فوائل يردّ على المستشرقين من منطلقين: وقوعه تحت مقولة «شرق وغرب» -التي لم يكن لها أصل في تشكّل الحضارات التي سبقت حدّة هذه الثنائية-، وبالتبع المنطلق الثاني: فيثبت نسبا شرقيّاً للشريعة؛ ليبين لهم امتداد التشريعات من مصدر إنساني شرقيّ -عربيّ، على مرّ الأزمنة. وليزداد توثيقا لرؤيته عن الاتصال التشريعي الشرقيّ؛ يُغيْر حلّاق على مفهوم «السنّة»؛ ليعيد تشكيله وفق هذه الدعوى «امتداد تشريعات الشرق الأدنى في الموروث العربي الثقافي حتى بعد الإسلام»، والقطع مع الأنساب الخارجية غير العربية والشرقية. ولارتباط لفظ «السنّة» بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ يسعى لإدخال النبي صلى الله عليه وسلم فيه، لكن مع تعميم اللفظ ليشمل النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، فضلاً عن نشأة السنّة أصالة من «البشر»! فبداية يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عارفا بثقافة المنطقة التي خرج منها، وتشريعات قومه، ولم يكن في جلّ سنوات دعوته مشغولا بالتشريعات، بل لم يقم تشريعات لما سيتطور لاحقا إلا في آخر حياته صلى الله عليه وسلم، فقد كان متابعاً للتشريعات التي سبقته، ولم يفكر في شريعة مستقلة حتى احتاجت الدولة لها في السنة الخامسة للهجرة! يزعم حلاق قائلاً: «لقد جاء الوحي القرآني عند نهاية السنة الخامسة من الهجرة؛ ليعكس تطورا جديدا في تجربة الرسول، حيث يبدو أنه بدأ يفكر، لأول مرّة، في الأمة الإسلامية الجديدة على أساس أنها قادرة على امتلاك شريعة توازي الشرائع التوحيدية الأخرى، ولكنها تختلف عنها»!
ويدّعي وائل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستطيع القطع مع التشريعات التي سبقته! يقول حلّاق: «هذا التصور الجديد للتشريع القرآني لا يعني أنه أحدث قطيعة تامة مع الشرائع والعادات والأعراف التي سادت بالمنطقة العربية. فرغم موقف النبي محمد صلى الله عليه وسلم المستنكر لممارسات مجتمعه القبليّ والمحيط الأخلاقي به؛ فإنه كان جزءا لا يتجزأ من هذا المحيط الذي كانت جذوره تضرب بعمق في تقاليد المنطقة العربية. ثم إنّ الرسول لم يكن بوسعه القطع تماما مع المبادئ التشريعية والأعراف التي يمارس من خلالها مهمّته المهيبة باعتباره «حكما» بارزا…».
فللتقاليد والأعراف مكانة «التشريعات» المتوافق عليها اجتماعياً، وللشخصيات الحكيمة والبارزة ذات السلوك الحسن مكانة «النماذج»؛ وقد كانت التقاليد والأعراف تظهر أحيانا في شخصيات خُلقيّة ذات مكانة رفيعة، سلوكها الحسن يغدو هو النموذج، كنموذج «الحكيم». وهذه التشكيلة من التشريعات والنموذج هو مفهوم «السنّة» قبل الإسلام وفي بداياته، الذي يشمل النبي صلى الله عليه وسلم وغيره؛ ممن سبقه أو لحقه! فالسنّة ذات مصدر اجتماعيّ، مرتبط بأعراف وتقاليد لم تُفرض على المجتمع، بل موجِّهات اجتماعية متوافق عليها، والنموذج للسلوك الأرفع يعدّ سنّة من سنن الأولين السارية. وقد شكّل النبي صلى الله عليه وسلم في مجتمعه أحد السنن، لأنه أحد النماذج السلوكية، فسنّته أخذها وقبلها المجتمع وأمضاها، مع الاحتفاظ بغيرها، وعدم منحها سلطة رمزية مستقلة، ومرجعية إلزامية. وفي هذا الجو الثقافي تأسست الدولة الإسلامية! أي تحت سلطة المجتمع المشرِّعة التي تتقدم على سلطة النبي صلى الله عليه وسلم وتشريعاته!
ويزعم وائل أيضاً؛ أنّ الأمة الإسلامية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم انتظمت في العقود التالية على أساسين: «مبادئ الأخلاق القرآنية»، و»الأعراف والتقاليد السالفة». فلم تكن السلطة التشريعية في شخص أو نصّ، بل كانت سارية في الأعراف والتقاليد، وموجَّهة بمبادئ عدّة، من ضمنها: المبادئ القرآنية. ولم يكن ثمّة سنة نبوية مستقلة إذّاك، ولا حتى سلطة لشخصية النبي صلى الله عليه وسلم؛ من حيث هو مصدر تشريعي مستقلّ. ولم تكتمل الشريعة بل لم تتكون أسسها كلها في تلك الفترة، وكذلك القضاء.
وستأتي تحوّلات دلالة «السنّة» عند وائل عبر القرون الإسلاميّة.










































