اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٤ أيلول ٢٠٢٦
علي بن محمد الغامدي
لم تكن النسخة الخامسة من مؤتمر 'ليب 2026'، التي أُقيمت تحت شعار «إلى عوالم جديدة» حدثًا تقنيًا عابرًا؛ فقد تحولت الرياض خلالها إلى نقطة التقاء عالمية لصناعة المستقبل، إذ استقطب المؤتمر أكثر من 201 ألف مشارك و1900 مستثمر و1000 متحدث و1800 علامة تقنية عالمية وما يزيد على 600 شركة ناشئة، فيما جمعت منصات المؤتمر رؤساء شركات عالمية وقيادات سعودية ودولية تعمل في قلب صناعة التقنية والذكاء الاصطناعي.
المؤتمرات الكبرى تؤدي وظيفة تشبه الأسواق؛ فهي تجمع في مكان واحد رأس المال والأفكار والعملاء والجهات التنظيمية والمواهب، فالشركة التي قد تحتاج إلى أشهر للوصول إلى مستثمر أو عميل دولي، تستطيع اختصار هذه المسافة في اجتماع واحد، والشركة العالمية التي تفكر في دخول السوق السعودية، تجد أمامها صناع القرار والشركاء والفرص، وكلما انخفضت تكلفة الوصول وبناء الثقة وتسريع القرار ارتفعت احتمالات تحول الفكرة إلى صفقة والصفقة إلى نشاط اقتصادي.
ومن منظور تسويقي؛ تجاوز ليب الترويج لنفسه، فالمدن والدول حول العالم تتنافس على الثقة والانتباه والاستثمار والمواهب، والرياض لا تقدم نفسها عبر حملة دعائية مؤقتة، وإنما عبر قدرتها على جمع منظومة التقنية العالمية وصناعة أجندة ثرية يتابعها المستثمرون ورواد الأعمال.
ولهذا حمل تواجد ليب في هونغ كونغ عبر «LEAP East» دلالة مهمة، فقد جمعت نسخته الآسيوية الأولى في يوليو الماضي أكثر من 25 ألف زائر و450 جهة عارضة و600 مستثمر، ثم اختيرت هونغ كونغ مقرًا آسيويًا حصريًا للحدث خلال الأعوام الثلاثة المقبلة، فالحدث الذي بدأ في الرياض عام 2022 أخذ يُصدر علامته وتجربته إلى آسيا، وبذلك أصبحت المملكة منتجة لملكية فكرية في صناعة المؤتمرات التقنية وصاحبة منصة تربط بين منظومات الاستثمار والابتكار في الشرق الأوسط وآسيا.
طبيعة الاستثمارات في مؤتمر ليب كشفت عن مرحلة جديدة من الاقتصاد الرقمي، فتوجيه نحو60 في المائة من الاستثمارات التقنية إلى مراكز البيانات، يعني أن المنافسة انتقلت إلى الطبقة العميقة من التقنية: القدرة الحاسوبية، والخدمات السحابية، وتخزين البيانات ومعالجتها. ومع اتساع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ستصبح القدرة على توفير الحوسبة محليًا عنصرًا في جذب الشركات وتسريع الابتكار وتعزيز السيادة الرقمية، بالطريقة نفسها التي تعتبر فها الموانئ والمطارات والمناطق الصناعية من ركائز الاقتصاد التقليدي.
أما التحدي الملازم للمؤتمرات الكبرى بمستوى ليب، فيكمن في المسافة بين الإعلان والتنفيذ، فمذكرات التفاهم والصفقات المعلنة تصنع الزخم، لكن أثرها الاقتصادي يبدأ مع تأسيس الشركات وتشغيل مراكز البيانات وتوظيف الكفاءات ونقل المعرفة وشراء المنتجات والخدمات من الموردين المحليين. ولهذا فإن تطوير قياس سنوي للأثر مهم لمتابعة ما نُفذ من الاستثمارات، وعدد الوظائف الناتجة عنها ونسبة المحتوى المحلي وحجم الصادرات التقنية التي أسهمت في توليدها. فالارقام الأكثر أهمية لأي مؤتمر تتشكل بعد أن تغادر الوفود وتُطوى منصات العرض.
الانجازات في ليب تتماشى مع رؤية السعودية 2030؛ التي وضعت التحول الرقمي وتنويع الاقتصاد وتمكين القطاع الخاص في قلب مشروعها. فالمؤتمر يجمع ثلاث دوائر في وقت واحد: اقتصاد الفعاليات بما يولده من حركة في الضيافة والنقل والخدمات، واقتصاد التقنية بما يجذبه من استثمارات وشركات ووظائف، وتسويق المكان بما يعزز صورة الرياض مركزًا عالميًا للأعمال والابتكار، وهنا تحديدًا تبرز قصة 'ليب' الذي أصبح أكثر من موعد سنوي على أجندة التقنية وبات جزءًا من البنية التي يُبنى بها اقتصاد المستقبل.










































