اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د. بدر بن سعود
مواجهة إمبراطوريات التقنية بمنطق 'السوق' والتنظيم التجاري لن تفيد في زمن تحولت فيه الخوارزميات إلى أسلحة لزعزعة الاستقرار وتوجيه العقول.. والدول التي تمارس سياسة ردات الفعل ستجد نفسها تحرس حدودًا بأسوار عالية بينما تُخترق مجتمعاتها من الداخل من خلال الجوالات..
تصرفت شركة الهند الشرقية في القرن السابع عشر الميلادي وكأنها دولة موازية، تحتكر التجارة وتتجاوز القوانين للتحكم في مقدرات الشعوب. وحالياً، يعيد التاريخ نفسه رقمياً مع 'إمبراطوريات التقنية' التي تمارس احتكاراً مشابهاً، ليس في حركة البضائع، وإنما في تدفق البيانات واختراق سيادة الدول. إلا أن حصانة هذه الإمبراطوريات بدأت في التراجع؛ ففي أواخر أغسطس 2024 أوقفت السلطات الفرنسية مؤسس 'تليغرام'، وحظرت المحكمة البرازيلية منصة 'إكس'. وهذه الحوادث تمثل إعلاناً صريحاً عن بداية حرب 'الحدود السيادية الجديدة' في مواجهة كيانات تتجاوز قيمتها السوقية الناتج المحلي لدولتي فرنسا وبريطانيا معاً. وشركة 'ميتا' وحدها في حوزتها أكثر من ثلاثة مليارات مستخدم. وهذا التغول الرقمي نبّه الحكومات إلى أن ترك الساحة لهذه المنصات دون تنظيمات قانونية يمثل تفريطاً مباشراً في الأمن الوطني، ويحول المواطنين إلى 'رعايا رقميين' تحكمهم خوارزميات صُممت في قارة أخرى، ولا تهتم بسلطة دولهم أو قوانينها.
المشكلة في بيانات السوشال ميديا انها تجاوزت مفهومها التقليدي كنفط جديد، لتتحول إلى ورقة ضغط سياسي وسلاح جيوسياسي فاعل. والمثال الأبرز هو التحرك التشريعي للكونغرس الأميركي في أبريل 2024، والذي ألزم الشركة الصينية المالكة لتطبيق 'تيك توك' ببيعه، لحماية بيانات 170 مليون مستخدم أميركي من التوظيف في توجيه الانتخابات واختراق المجتمع. وقد ردت شركة 'ميتا' على تشريعات سيادية تلزمها بتعويض المؤسسات الصحفية، بحجب محتواها الإخباري في كندا عام 2023. وتثبت هذه الوقائع أن إمبراطوريات التقنية توظف قواعد البيانات ومفاتيح التحكم لصناعة الأزمات وإخفاء الحقائق أو تضخيمها، مما يعطيها سلطة لابتزاز الحكومات والتأثير سلباً على التماسك الاجتماعي إذا تعارضت القوانين مع مصالحها.
في المقابل، استبقت المملكة الصدامات بتأسيس جدار حماية قانوني وتقني يضمن سيادتها الرقمية. والإجراء الأهم كان بالتفعيل الكامل لـ'نظام حماية البيانات الشخصية' في سبتمبر 2024، الذي وضع قيوداً على نقل بيانات المواطنين خارج حدود الدولة. وتزامن ذلك مع إلزام إمبراطوريات التقنية، كغوغل ومايكروسوفت وأمازون، بالاستثمار في الداخل السعودي وتأسيس مناطق سحابية ومراكز بيانات ضخمة على المستوى المحلي. وهذا التوطين ليس استثماراً خالصاً في البنية التحتية، ولكنه قرار سيادي يضمن الاحتفاظ بالمعلومات تحت مظلة القضاء السعودي، ويقيد الشركات من التحكم عن بُعد أو التدخل في الشأن الداخلي في أوقات الأزمات.
ما يقود إلى البعد الآخر هو الخطر المرتبط بـ'الخوارزميات' التي تدير هذه المنصات؛ فعلى الرغم من حماية البيانات، تبقى هذه البرمجيات قادرة على توجيه الرأي العام من خلال تضخيم المحتوى وإثارة الفوضى الداخلية. ومن الشواهد ما تعانيه فرنسا منذ أزمة 'السترات الصفراء'، وتطور الأمر في احتجاجات يونيو 2023 حين اتهم الرئيس إيمانويل ماكرون منصتي 'سناب شات' و'تيك توك' بتنظيم الشغب، وصولاً لاحتجاجات أواخر أكتوبر التي وثقتها تقارير تلفزيونية لاستمرار استخدامها كغرف عمليات للتجمعات وتحديد مواقع الاشتباك. وكلها وقائع تثبت أن الخوارزميات تحولت لمحرك رئيسي يضرب الاستقرار الأمني، ما يفسر توجه الاتحاد الأوروبي لفحص عملها وفرض غرامات عليها.
يتعامل التحرك الأوروبي مع الفوضى الرقمية بوصفها خللاً عابراً يمكن تقويمه بالغرامات، متجاهلاً أن إمبراطوريات التقنية تعتبرها المحرك المالي الأول لأرباحها. وهو ما أثبتته دراسة جامعة نيويورك عام 2021 أن الخوارزميات تعمل على مكافأة الانفعال منهجياً؛ وكل كلمة تُضاف للمنشور وتحمل إشارة إلى الغضب أو الاستفزاز، تزيد من سرعة انتشاره وتفاعل الجمهور معه بنسبة 20%. هذه الحقيقة تجسدت واقعياً بواسطة الموظفة السابقة في 'فيسبوك'، فرانسيس هاوغن، التي كشفت في مقابلتها الشهيرة مع برنامج '60 دقيقة' الأميركي عن وثائق تؤكد أن المنصة عدّلت برمجياتها عمداً لتضخيم المحتوى التحريضي، لأنه يحقق عوائد إعلانية تفوق نظيره الهادئ بخمسة أضعاف. وهذا السلوك يمثل استنساخاً لـ'حروب الأفيون' عام 1839؛ فكما اجتهدت الإمبراطورية البريطانية لإغراق الصين بالأفيون حفاظاً على مصالحها، تستميت شركات التقنية لضخه بشكله الرقمي في عقول مستخدميها. والمراهنة على عقوبات مالية لترويض كيانات تعود على ملاكها بعوائد مليارية، يمثل رهاناً خاسراً، يثبت صحة مقولة الفيلسوف هيغل: 'التاريخ يعلمنا أننا لا نتعلم منه شيئاً'.
مواجهة إمبراطوريات التقنية بمنطق 'السوق' والتنظيم التجاري لن تفيد في زمن تحولت فيه الخوارزميات إلى أسلحة لزعزعة الاستقرار وتوجيه العقول.. والدول التي تمارس سياسة ردات الفعل ستجد نفسها تحرس حدوداً بأسوار عالية بينما تُخترق مجتمعاتها من الداخل من خلال الجوالات. وهذا يظهر القيمة الاستراتيجية للنهج السيادي الذي أخذت به المملكة؛ فإلزام هذه الكيانات بتوطين البيانات والامتثال للقوانين لا يمثل إجراءً تنظيمياً، وإنما يعتبر بمثابة خط الدفاع الأول ضد 'الاستعمار الخوارزمي' الجديد، الذي لا يقل خطورة عن الاستعمار التقليدي.. فالدولة التي لا تسيطر على بياناتها ومنافذها الرقمية، ترهن استقرارها لمن يدفع أكثر.










































