اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٥ حزيران ٢٠٢٦
أ.د. عبد الله محمد الشعلان
'وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ' (الحج: 27)، واستجابة وامتثالا لهذه النداء الإلهي المتجدد للبشرية جمعاء جاءت جموع الحجيج من كل فج عميق ليحتضنها جبل الرحمة، يحدوهم الشوق إلى الرحمة والمغفرة والرضوان من رب العباد، وقد افترشوا سفوحه ورفعوا أكفّهم بالتضرع إلى المولى جل وعلا، متوجهين إليه بالدعاء في وقفة جليلة مهيبة يتجلّى فيها الصفاء الإيماني والسكينة الروحية، في يومٍ عظيم وصفه النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم بأنه: 'ما من يوم أكثر من أن يُعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة'. لقد حل علينا موسم حج هذا العام في عمق الصيف ذي الجو اللاهب والحرارة العالية أثاب الله حجاج بيته العتيق وأعظم لهم الأجر والثواب وجعل حجهم مبرورًا وسعيهم مشكورًا وذنبهم مغفورًا. والحمد لله انقضى حج هذا العام كما هي العادة كل عام بيسر وراحة وسكينة واطمئنان. وحكومة خادم الحرمين الشريفين في كل عام لا تألوا جهدًا ولا تدخر وسعًا في جعله كذلك فهي تتأهب وتستعد كما هو دأبها المعتاد وديدنها الثابت ونهجها القويم في كل موسم حج لتوفر كافة الاستعدادات والإمكانات والمتطلبات والاحتياجات والخدمات لضيوف الرحمن حجاج بيت الله الحرام ليؤدوا ما أمرهم الله به ودعاهم إليه: 'ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (الحج: 29)، نعم، ليوفوا نذورهم ويقضوا مناسكهم وليعودو إلى أوطانهم وأهاليهم وقد غمرتهم البهجة والحبور وعمهم الفرح والسرور فنفذت هذه المشاعر إلى قلوبهم وتغلغلت في وجدانهم بتأدية فروضهم وقضاء مناسكهم وغفران الله لهم وتنقيتهم من الذنوب والخطايا وأدران الحياة، وعندما يئوبوا إلى أوطانهم تظل هذه المشاعر فياضة متدفقة بذكرى عظيمة لا تغيب وأيام حافلة لا تنسى في ضيافة الرحمن وفي رحاب بيته العتيق. أولا نهنّئ حكومة خادم الحرمين الشريفين ونهنيء أنفسنا والعالم الإسلامي بنجاح موسم حج هذا العام الذي تحقق بفضل الله تعالى ثم بفضل الدعم اللامحدود من القيادة السعودية الحكيمة، ونثمن جهود جميع العاملين في خدمة ضيوف الرحمن في كل القطاعات التي جندت لهذا الغرض سواءً في القطاعات المدنية أو العسكرية، الذين كانوا سندًا أساسيًا وداعمًا قويا في إنجاح هذا الموسم بفضل الله تبارك وتعالى. لقد شهد موسم حج هذا العام 1447 نجاحًا كبيرًا حظي بإشادات واسعة مما يعكس الجهود الكبيرة والاستعدادات اللامحدودة التي تبذلها المملكة العربية السعودية لخدمة ضيوف الرحمن. ويأتي هذا النجاح الباهر تتويجًا للتخطيط الاستراتيجي والاستعدادات المبكرة والتنظيمات المحكمة التي تقوم بها الجهات المختصة في المملكة استعدادًا لمواسم الحج لضمان تقديم أعلى مستويات الخدمات والرعاية. ولا تقتصر جهود المملكة على الجانب التنظيمي فحسب، بل تمتد لتشمل جميع الجوانب الخدمية والأمنية والصحية والإنسانية، ومن الخدمات الهامة والضرورية المقدمة في موسم الحج والتي تضمن الراحة والرفاهية لضيوف الرحمن وتؤكد بكل صدق وفاعلية النهج الراسخ لهذه الدولة السعودية منذ تأسيسها على يد المؤسس الباني الملك عبد العزيز طيَّب الله ثراه وأكرم مثواه وحتى يومنا الحاضر هذا النهج السوي الذي ترجمته القيادة الرشيدة إلى خارطة عمل دؤوب وفق رؤية حكيمة ذات آفاق رحبة وفضاءات فسيحة أثبتت نجاحها لغة الأرقام والمنجزات التي بذلتها وتبذلها وستبذلها المملكة بمشيئة الله محققة المزيد منها يومًا بعد يوم ومؤكدة أن هذه المملكة تبذل الغالي والنفيس في تنظيم الحج ورعاية الحجيج بما يكفل ويضمن ويحقق أقصى درحات الأمن والسلامة والراحة والرفاهية لأداء هذه الشعيرة الدينية الجليلة في رحاب ملهمة ونفحات روحانية وأجواء إيمانية تليق بالركن الخامس من أركان الإسلام. ولقد جاء هذا النجاح ثمرة تناغم استثنائي وتكامل مثالي بين الأجهزة المختلفة في المؤسسات الحكومية والأهلية في قطاعاتها الأمنية والصحية والوقائية والتنظيمية والمرورية والذي يعكس عمق فلسفة العمل المشترك والتكامل التام بين تلك القطاعات في ظل تخطيط منظم ومنضبط يستثمر في الإنسان مواهبه وقدراته وفي التقنيات حداثتها وجدَّتها على حد سواء.
إن موسم الحج لا يُدار كحدث طارئ، بل يُصمم ويُنفذ كخطة استراتيجية وعملية متكاملة تُراجع نتائجها سنويًا وتُبنى عليها حلول العام المقبل لتظل في دورة تطوير مستمرة وتجسيد حيّ لكيفية دمج التقنيات المستجدَّة في سياقات يتم توظيفها وتسخيرها لخدمة ضيوف الرحمن لأداء حجهم ومناسكهم بيسر وأمان وسهولة واطمئنان. لذلك تبذل كل الجهات المختصة جهودًا جبارة في تسخير وسائل الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة بدون طيار وكاميرات الرصد والهواتف الذكية وأجهزة الاستشعار لإدارة الحشود وتحليل كثافتها وتوزيعها قبل أن تتراكم وتتزاحم لتسهيل عملية تنظيم الحج وانسيابية الحركة والتنقل وتوجيه الحجاج إلى المسارات الأقل ازدحامًا، ويتم ذلك من خلال مراكز تحكم متطورة تجمع البيانات من مصادر متعددة وتساعد في تنسيق العمليات بشكل ذي مرونة وانسياب فائقة. كما تم تحسين وتطوير المرافق مثل إنشاء سلالم كهربائية وأنظمة تهوية وإنارة حديثة وبناء آلاف من دورات المياه الحديثة وتوفير نقاط توزيع مياه زمزم، ومراكز لخدمات الطوارئ والإسعافات الأولية.
ولمزيد من الراحة والانسجام تم تركيب مراوح تنشر الرذاذ البارد في الساحات والمواقع لتخفيف درجات الحرارة وتلطيف الجو وتوفير مياه الشرب النقية في جميع المشاعر. كما تم تجهيز خدمات لوجستية وتنظيمية (برنامج خدمة ضيوف الرحمن، رؤية 2030) لتيسير استضافة المعتمرين والحجاج وتسهيل وصولهم للحرمين الشريفين، وتقديم خدمات ذات جودة عالية، وإثراء تجربتهم الدينية والثقافية.
كما تم العمل على تبسيط وتسهيل إجراءات الحصول على تأشيرات الحج والعمرة، وتقديم حلول مرنة في هذا الصدد. ولقد كان لقطار ربط المشاعر المقدسة أثر كبير في تسهيل تنقل الحجاج وتوفير شبكة حافلات حديثة تمثل أسطولا لنقل الحجاج داخل مكة المكرمة والمشاعر.
وبالنسبة للخدمات الطبية فهي مدعومة بتقنيات متقدمة تشمل الطائرات بدون طيار والطائرات العمودية لنقل الإمدادات العاجلة مما أدى إلى تقليص زمن التوصيل من ساعة إلى نحو 5 دقائق فقط، فضلاً عن الكوادر الأمنية عالية التأهيل لإدارة التنظيم. هذا، بالإضافة إلى توفير خدمات صحية متكاملة للحجاج، بما في ذلك المستشفيات والعيادات واتخاذ تدابير وقائية لضمان أمن الحجاج وسلامتهم خاصة في ظل الظروف الصحية العالمية الى جانب التوعية والإرشاد وتقديم برامج توعوية وإرشادية للحجاج حول مناسك الحج، وذلك عبر المطبوعات والدروس والمحاضرات، مع تنفيذ مشاريع للحفاظ على البيئة وتقليل التأثيرات السلبية للحج على البيئة، مثل تطوير وتحسين نظام إدارة النفايات، والتعاون مع الدول الإسلامية لتسهيل إجراءات الحج وتقديم الدعم للحجاج من خارج المملكة. كذلك تم تجهيز مستشفيات طبية ومراكز صحية متكاملة متنقلة وثابتة في مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة مجهزة بأحدث الأجهزة والفرق الطبية المتخصصة، لتقديم الرعاية الصحية العاجلة والطارئة وتوفير أعداد كبيرة من الأطباء والممرضين والمتطوعين لخدمة الحجاج على مدار الساعة. كما أن الأجهزة الأمنية كان لها دور محوري في توفير أمن الحجاج من خلال نشر فرق أمنية مكثفة لضمان سلامة الحجاج ومنع أي تجاوزات أو حوادث، وتنظيم حركة السير والمشاة واتخاذ إجراءات احترازية للوقاية من ضربات الشمس والإجهاد الحراري، وتوفير نقاط للتبريد والمياه. ومن أجل التسهيل للوصول للمشاعر المقدسة والمسجد الحرام والمسجد النبوي فقد تم إعداد خرائط رقمية تحدد مواقع الخدمات والمرافق ودورات المياه ونقاط توزيع مياه زمزم. كما حرصت المملكة على توظيف أحدث التقنيات لتحسين تجربة الحج، مثل إطلاق 'بطاقة نسك'، وهي وثيقة تعريفية ذكية تتيح للحجاج الوصول إلى الخدمات المختلفة بسهولة ويسر وأمان. ومما أسهم في تعزيز كفاءة الخدمات المقدمة التقاء الإرادة بالمنهج والإنسان بالتقنية في تجربة تتوافق وتترافق مع هو إنساني، وتؤكد أن خدمة الحجاج شرف ومسؤولية وغاية بل ورسالة ربانية تتجاوز الزمان والمكان. ومن الخدمات الموفرة والمتاحة أيضًا خدمات الإرشاد الصوتي لمناسك الحج وخدمة الفتاوى للحصول على إجابات صوتية فورية من المفتين على مدار الساعة، إلى جانب خدمات الإرشاد في حالات التيه والضياع أو لمساعدة الحجاج في العثور على أماكن إقاماتهم، كذلك إيجاد منصات إلكترونية لتقديم الشكاوى والاقتراحات والاستفسارات. وتأتي مشاركة قوات الدفاع الجوي في مهمة الحج تجسيدًا لتكامل الجهود بين الجهات العسكرية والأمنية لخدمة ضيوف الرحمن، ضمن منظومة وطنية متكاملة ومتناغمة تهدف إلى تعزيز الأمن والسلامة في المشاعر المقدسة، كما قامت القطاعات العسكرية والأمنية بتفعيل أنظمة الرصد والمراقبة الجوية ومنظومات الاعتراض الحديثة، مع المتابعة المستمرة للموقف الجوي ورفع مستوى الاستعداد للتعامل الفوري مع أي تهديدات محتملة، كما سخرت القوات إمكاناتها التقنية والبشرية لتحقيق أعلى معايير الكفاءة والمهنية، من خلال تنفيذ تدريبات وتمارين دورية تعكس مدى التطور النوعي والتدريبي في قدراتها لحماية الأجواء والمنشآت الحيوية. ولعل من أبرز الإجراءات التنظيمية التي شددت عليها المملكة وساهمت في النجاح الكبير لحج هذا العام لهو حملة 'لا حج بلا تصريح' التي تهدف إلى تنظيم عملية الحج ومنع التجاوزات بما يضمن توفر وجاهزية الخدمات المطلوبة بين الحجاج والتزامًا بالشروط الشرعية المرعية للحج وبخاصةً شرط الاستطاعة. ولقد لاقت هذه الحملة صدى واسعًا وترحيبًا بالغًا وتجاوبًا واسعًا إذ ساهمت في تقليل الازدحام والالتزام بالقيود والاشتراطات والأنظمة المرعية وتحسين وفرة وجودة الخدمات المقدمة. وما قامت به المملكة من جهود وما قدمته من خدمات في حج هذا العام وكل عام ليبرز التزام المملكة الثابت بتقديم تجربة حج متميزة وآمنة وميسرة لجميع ضيوف الرحمن حجاج بيته العتيق.
وفي الختام، نجد أن المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين وجهد ولي عهده الأمين يحفظهم الله تبذل كل ما تستطيع بذله في سبيل توفير وتسخير وتهيئة كافة السبل والإمكانات لجعل الحج في كل عام أكثر أمنا وطمأنينة وسلاما وأوفر سهولة وراحة ويسرًا، وليكن ذكرى خالدة في قلب كل من قدم إلى هذه الديار المقدسة لتأدية الركن الخامس من أركان الإسلام أو معتمرًا أو زائرًا لمسجد رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام.










































