اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٠ كانون الثاني ٢٠٢٦
فهد الأحمري
في الآونة الأخيرة، طفت على سطح الدراما التلفزيونية ظاهرة يمكن تسميتها «صناعة البؤس المتخيل»، حيث تُقحم عناصر مأساوية مفرطة تبتعد كليا عن المنطق الواقعي لتتحول إلى ما يشبه «التلذذ بالآلام» المفتعلة.
هذه المسلسلات، لا تكتفي بنقل معاناة الإنسان، بل تذهب نحو استدرار عطف المشاهد عبر سلسلة لا تنتهي من النكبات التي تتراكم فوق رؤوس الشخصيات بشكل مستحيل، مما يجعل العمل يسقط في فخ «الميلودراما الفجة» التي تفقد صلتها بالواقع المعيش، خاصة حين يعتمد العمل على الإطناب والتمديد إلى ما يتجاوز التسعون حلقة، في ماراثون ممل من الحزن المجاني الذي قد يمتد لمواسم أخرى.
الإشكالية الكبرى في هذا النوع من الأعمال تكمن في «الهجانة الثقافية» والانسلاخ عن الهوية؛ فالمسلسل حين يستنسخ نصا أجنبيا ويسقطه قسرا على بيئة سعودية، يقع في سقطات شنيعة.
تخيلوا دراما تقدم مشهد لأم تعرض توصيل ابنتها مع «صديقها» (البوي فريند) على أنه عمل يحاكي مجتمعا سعوديا له قيم ترفض هذه الإسقاطات!
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوز الحزن حدود المنطق ليصل إلى تصوير حالات من عقوق الوالدين بشكل فج وصادم ومبالغ فيه، لا يعكس طبيعة الترابط الأسري في مجتمعنا المحلي الذي لا يرى نفسه ولا أسرته فيما يعرض على الشاشة.
ومن المضحك والمبكي في آن واحد أن نرى شخصية درامية سعودية تتباكى لأنها لا تملك ثمن الدواء، ويوجه لها نداء بعبارة «روح اشتر علاجك»، في حين أن المواطن السعودي ينعم بمنظومة صحية عالمية فريدة.
إن تجاهل وجود برامج خدمات علاجية مثل «وصفتي» التي تصل رسائلها لجوال المريض فورا، أو تطبيق «صحتي» الذي يتيح الاستشارات الفورية وصرف الأدوية مجانا، يجعل من «مأساة المرض» في المسلسل عنصرا زائرا لا قيمة له.
الدراما التي تنفصل عن تطورات بلدها التقنية والخدمية تفقد مصداقيتها وتتحول إلى عمل «معلّب» مستورد لا يحترم ذكاء الجمهور، فالدراما الحقيقية هي التي تستخلص الألم من صراعات إنسانية حقيقية، لا التي تغرق في سوداوية مستوردة لتبرير وجودها عبر عشرات الحلقات المملة.
من حسن الطالع أن المواطن والمقيم يدركان جيدا هذه المغالطات ويعرفان أن ما يعرض لا يعدو كونه عملا مستوردا منقطع الصلة بالواقع، لكن مكمن الخطر يبرز حين تصدر هذه الأعمال إلى المجتمع الدولي على أنها عمل محلي من واقع ثقافة سعودية.
تسويق القصص المفتعلة على أنها تعبير عن المجتمع السعودي يكرّس صورة ذهنية مشوهة وخاطئة عالميا، ويطمس ملامح الرقي الاجتماعي والتقني الذي وصلنا إليه، محولا درامانا من جسر للتواصل الثقافي إلى مرآة مهشمة تعكس مآسيَ لم تحدث إلا في مخيلة المقتبسين.










































