اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣١ أب ٢٠٢٦
د. فايز بن عبدالله الشهري
إذا نحّينا قلق الحروب والسياسة جانبًا، فلن تبدو حياة الإنسان المعاصر واحةً هادئة كما قد يوحي ظاهر العصر؛ فقد تسلّلت ضغوط شتى إلى تفاصيل الروح والمعيشة والصحة والعمل والروابط الإنسانية، حتى غدا من العسير أن نعرف أين ينتهي عبء ويبدأ آخر. ويمكن النظر إلى هذه الأعباء، بحسب اتساع مداها وقدرتها على توريد أزمات جديدة، في عشرة ملفات ثقيلة تطحن أيام وليالي الإنسان المعاصر اليوم.
أولها غلاء المعيشة، وما يجرّه من عجز عن تأمين الضروريات. فارتفاع الأسعار لم يعد يفرض على الناس التخلي عن الكماليات وحدها، بل امتد إلى تهديد جودة الطعام والمسكن والادخار، وإلى الحلم البسيط بتكوين أسرة. ويقدّر البنك الدولي أن نحو 2.7 مليار إنسان لم يتمكنوا من تحمّل كلفة غذاء صحي في عام 2025.
ويأتي بعده تدهور الصحة النفسية. فبحسب منظمة الصحة العالمية يوجد أكثر من مليار شخص يعيشون مع اضطرابات نفسية. ومكمن التحدي أن تبعات القلق والاكتئاب والضغط تتسرب إلى النوم والنشاط والعمل والعلاقات، ثم تعود فتتغذى من الخشية على مصدر الرزق والوظيفة والغد، وكأن الإنسان يدور في حلقة لا يجد منها مخرجًا.
أما الصحة الجسدية، فتتراجع هي الأخرى تحت وطأة نمط حياة يتسم بقلة النشاط. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن 31% من البالغين، أي نحو 1.8 مليار شخص، لا يحققون الحد الموصى به من النشاط البدني. وتتكفل ساعات الجلوس الطويلة، والطعام الرديء، والسهر، والتوتر، بإضافة طبقات ثقيلة إلى هذا الخطر.
ثم تأتي الوحدة والعزلة الاجتماعية، وهما مفارقة عصر «التواصل الاجتماعي». وتفيد تقارير دولية أن شخصًا من كل ستة يعاني الوحدة عالميًا، وأن النسبة أعلى بين الشباب، فيما ترتبط الوحدة بنحو 871 ألف وفاة سنويًا. ثم يحضر ضغط العمل، مع تمدّد الرسائل والمهام والاجتماعات إلى ما بعد ساعات «الدوام»، بينما تتنظر حقوق الخالق، وواجبات الأسرة، ورعاية الأبناء أو الوالدين، بقية سويعات قليلة من اليوم. ويشير استطلاع حديث لغالوب إلى أن 40% من الموظفين عالميًا عانوا قدرًا كبيرًا من التوتر في اليوم السابق للمسح خلال عام 2025.
ويستنزف الإدمان الرقمي ما بقي من الحضور الإيجابي في الحياة. حيث يقضي البالغون المتصلون أكثر من ساعتين ونصف يوميًا، في المتوسط، على الشبكات الاجتماعية ومنصات الفيديو بحسب تقارير راصدة. ومع ذلك التصفح تتواصل الإشعارات التي تقطع صلتك بمن حولك، والمقارنات التي تجعل الذهن مشغولًا.
ويضيف الذكاء الاصطناعي إلى قلق المستقبل المهني حِملاً جديدًا. ويكفي أن نعرف أن واحدًا من كل أربعة عاملين يشغل وظيفة معرضة، بدرجة ما، للاستبدال بالذكاء الاصطناعي التوليدي وفق تقديرات منظمة العمل الدولية. ما يجعل السؤال الأشد إزعاجًا قائمًا: هل ستتغير المهنة أسرع من قدرة صاحبها على اللحاق بها؟
ومن هنا يبدأ سباق المهارات وإعادة التأهيل بلا خط نهاية واضح. إذ يتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن تتغير أو تتقادم 39% من المهارات الحالية بحلول 2030، وأن يحتاج 59 من كل 100 موظف إلى تدريب. وهكذا لم يعد التعلم ميّزةً تضاف إلى السيرة المهنية، بل صار استمراره شرطًا للبقاء في سوق العمل.
أما الأسرة، وهي أهم ملاذات الاستقرار، فتواجه هي الأخرى اقتصادًا يطيل عمر الرغبات المؤجلة. فقد أظهر مسح لصندوق الأمم المتحدة للسكان شمل 14 دولة أن 54% من المشاركين قالوا إن أوضاعهم المالية، أو السكن، أو عدم استقرار العمل، أو كلفة رعاية الأطفال، أثرت أو قد تؤثر في قرار الزواج وعدد الأبناء الذين يرغبون فيه.
ويبقى البحث عن المعنى والاستقرار الداخلي، ذلك السؤال القديم الجديد اليوم: ما الذي يستحق كل هذا العناء؟ وتبقى الروح، وسط هذا الركض كله، تبحث عن سكينة حين يصبح الدخل مهددًا، والعمل متقلبًا، والمهارات سريعة التقادم، والعلاقات أقل رسوخًا. وربما سيكون الثقل الأعظم مع تعاظم ذاك الإحساس الكامن بأننا نلهث خلف استقرار حياةٍ هي أسرع من أن نعيشها.
قمّة المأساة أن تسعى لكي تعيش.. فتنسى كيف تحيا.










































