اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة الوئام الالكترونية
نشر بتاريخ: ٤ أيلول ٢٠٢٦
ثمّة دقائق قليلة تفصل بين سقوط إنسان وفشل قلبه وبين عودة نبضه مرة أخرى، لم تكن في الماضي سوى صدفة حسنة إن توفّر بجانبها من يعرف ما يفعل؛ حتى وقّع مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود قراره رقم (262) وتاريخ 12/03/1448هـ – الموافق 25 أغسطس 2026م بتقويم أم القرى – المنشور في العدد 5180 من الجريدة الرسمية «أم القرى» اليوم الجمعة، والذي أقرّ السياسة الوطنية لتعزيز السلامة الإسعافية في الأماكن العامة ومقرات العمل بالصيغة المرافقة، مع ثلاثة شروط مرافقة للموافقة.
الوثيقة الجديدة تُبنى على 5 محاور و9 أهداف و5 مبادئ وعشر تعريفات، وتوزع الأدوار على 6 مجموعات تمتد من الفرد العادي إلى الجهات العمرانية، لتجعل أقرب إنسان إلى المصاب سلاح الإنقاذ الأول.
القرار 262.. 3 شروط
المجلس وضع ثلاثة شروط نصّ عليها القرار؛ أن يكون تنفيذ السياسة دون الإخلال بالإجراءات والمتطلبات النظامية، ثم «عدم تحمل الدولة أي أعباء مالية إضافية ناتجة عن تطبيق السياسة»، وأخيرًا أنه في حال تضمنت السياسة تكاليف إضافية على القطاع الخاص فيكون استكمال ما يلزم حيالها في ضوء الإجراءات النظامية ذات الصلة.
وبذلك وُضع خاتم مالي صريح على الوثيقة كاملة، يحفظ للخزينة حيادها ويحوّل أي عبء محتمل إلى مسار تنظيمي مستقل.
5 محاور و9 أهداف وعشر تعريفات
تؤسس السياسة الجديدة لمفرداتها في عشر تعريفات مختصرة، أهمها تعريف «الأماكن العامة» بأنها المواقع التي يرتادها جمع من الناس دون احتساب الفضاء السكني الخاص، وتعريف «المستجيب الأول» بوصفه أول شخص يتولى التعامل الأول مع الحالات الإسعافية ويقوّم الحالات الحرجة التي تتطلب رعاية طبية، فيما تتضمن المستلزمات الإسعافية الأولية الحقيبة الإسعافية وجهاز الإنعاش القلبي، المعروف بمزيل الرجفان الآلي.
وعلى هذه الأرضية اللغوية يقوم هيكل من 5 محاور رئيسية وردت في المتن بالترتيب الآتي: الاستجابة الإسعافية، وسلامة الأماكن العامة، ثم تمكين المجتمع من الصمود للطوارئ الفردية، ثم التعامل مع حالات توقف القلب والتنفس خارج المستشفى، ثم مسؤوليات الاستجابة الإسعافية.
أما الأهداف فتُحصى تسعة بالترتيب: تعزيز فرص إنقاذ حالات توقف القلب المفاجئ في الأماكن العامة ومقرات العمل، وتعزيز البنية التحتية للسلامة الإسعافية، وتحسين مخرجات رعاية المرضى بالحد من مضاعفات الإصابات، ورفع جودة الخدمات عبر تأهيل الكفاءات وتنظيم التراخيص، وتحسين الوصول إلى الخدمات بجودة عالية، ورفع الجاهزية لمواجهة الطوارئ والأزمات بكوادر مدربة، وتحسين بيئة السلامة بما يرفع ترتيب المملكة في التقارير والمؤشرات العالمية، وتعزيز الصمود المجتمعي بكفاءة العمل التطوعي، ورفع الوعي المجتمعي بالإسعافات الأولية.
وتغلق المشهد خمسة مبادئ مؤسِّسة هي الجاهزية المادية، والتدريب والتأهيل، وتفعيل المستجيب الأول، والاستجابة الإسعافية العاجلة، والاستدامة.
مزيل رجفان في كل مكان مزدحم.. وعامل مؤهل واحد على الأقل
تترجم المحاور إلى هندسة إنقاذ ملموسة؛ فالسياسة تشجع نشر أجهزة الإنعاش القلبي في الأماكن العامة ذات الكثافة البشرية العالية وتيسير الوصول إليها ضمن نطاق جغرافي مناسب، مع إعطاء أولوية أعلى للمواقع التي ترتفع فيها احتمالات التعرض لتوقف القلب والتنفس.
ولا يتوقف الأمر عند التجهيز، إذ تعمل الجهات الإشرافية على تعزيز تأهيل العاملين على الإسعافات الأولية والإنعاش القلبي الرئوي بما يضمن توفر عامل واحد مؤهل على الأقل ضمن نطاق جغرافي مناسب خلال أوقات تشغيل المكان العام، بينما تلتزم الجهات بتنظيم جداول العمل بما يضمن التغطية الزمنية والمكانية لوجود مستجيب أول مؤهل، والمحافظة على سريان الشهادات والتراخيص متى ما كان المكان متاحًا للجمهور.
المستجيب الأول هو بطل الوثيقة غير المعلن، وتحيط به منظومة تمكين كاملة؛ من إتاحة بيانات المستجيبين الأوائل لمقدمي الخدمات الإسعافية بما يسهم في استدعائهم ومشاركتهم في الاستجابة، إلى ربط المستجيبين الأوائل المرخصين بأنظمة إلكترونية وقواعد بيانات توجّه إليهم البلاغات، فتطوير آليات تحديد مواقع أجهزة الإنعاش وتحديث حالتها وإرشاد المبلغ إلى أقربها عند الحاجة.
وقد أجازت السياسة في حالات الطوارئ الاستثنائية أو الكوارث أو الضغط الشديد على الموارد الاستعانة بالمستجيبين الأوائل المدربين في نقل المصابين بوسائل آمنة وفق ضوابط نظامية وبالتنسيق مع مقدمي الخدمات المختصين.
وتمتد المسؤوليات إلى توفير الأطر النظامية التي تمكّن المستجيب من مباشرة الحالات الطارئة وتحميه نظامًا أثناء أداء مهامه. كما يمتد التدريب إلى الفئات التي تربطها بمخاطر أعلى طبيعة أعمالها، وهم مستخدمو الطرق بشكل منتظم، والعاملون في النقل العام والنقل الثقيل، والعاملون في صيانة الطرق، ومباشرة الحوادث المرورية، والعاملون في خدمة الحجاج والمعتمرين، مع تشجيع إدراج مبادئ الاستجابة للطوارئ الفردية والإسعافات الأولية ضمن مناهج التعليم العام بما يتناسب مع الفئات العمرية المختلفة.
وتفتح السياسة باب التقنية على مصراعيه، من أنظمة التنبيه الآلي المرتبطة بالحوادث المرورية الشديدة إلى أجهزة الاتصال المساندة لكبار السن والمرضى وذوي الإعاقة، سواء كانت قابلة للارتداء أو وسائل استغاثة مثبتة في المرافق العامة، بما يسرّع تحديد موقع الحالة وتوجيه الاستجابة المناسبة.
9 فئات و10 حالات تحت المظلة الإسعافية
يستهدف النص جميع مرتادي الأماكن العامة بكافة فئاتهم وفي مختلف البيئات، ويعرّف نطاقه بالتوسيع لا بالحصر؛ فالأماكن العامة تشمل في مثالها المذكور الجوامع والمساجد والمرافق الحكومية والمنشآت الرياضية والطبية والتعليمية كالمدارس والمعاهد والجامعات، والحدائق والمتنزهات والطرق والممرات والشواطئ، ووسائل النقل المختلفة والمطارات ومحطات النقل العام، والمعارض والأسواق والمجمعات التجارية والفنادق والمطاعم والمقاهي، والمتاحف والمسارح ودور السينما والمرافق الترفيهية.
أما الفئات المتأثرة فيخصّصها النص في تسع فئات واضحة: المرضى أو المصابون في الأماكن العامة، والعاملون في الأماكن العامة الخاضعة لإشراف الجهات الحكومية أو الخاصة، ورجال الأمن، والعاملون الميدانيون في القطاعات الخدمية، وأصحاب الأعمال والمنشآت التجارية والصناعية بمختلف أنواعها، والمعلمون والعاملون في المنشآت التعليمية، والمدربون والعاملون في المنشآت الرياضية والترفيهية، والعاملون في قطاع النقل العام بما في ذلك المضيفون والطيارون والسائقون، ومستخدمو الطرق بشكل منتظم.
وتؤسس السياسة لمفاهيم الإسعاف الطارئ لعشر حالات صحية نصّ عليها النطاق، هي توقف القلب، وتوقف التنفس، والغرق، والنزيف، والاختناق، والحروق، والتعرض للمواد السامة، والجروح، والولادة الطارئة، والأزمات النفسية، وغيرها من الحالات الصحية الطارئة.
ويكتمل المشهد العملي بوسيلتين يوميتين؛ فهاتفية أو رقمية يكون بها الاتصال بمقدمي الخدمات الإسعافية متاحة للجمهور في مواقع بارزة وواضحة وسهلة الاستخدام ودون مقابل، وقواعد وصول تُلزم الجهات الإشرافية بتيسير تنقل مقدمي الخدمات والمستجيبين داخل المباني بأولوية، وفتح البوابات الأمنية، وإزالة العوائق والحواجز أمام المركبات الإسعافية الأرضية أو الجوية، مع وضع سياسات داخلية تمنع تأخير الوصول أو اشتراط الحصول على موافقات إدارية مسبقة، وتشجع على الإبلاغ عن أي ممارسات تعيق وصول الفرق الإسعافية.
6 جهات تتقاسم المسؤولية.. من الفرد إلى الجهات العمرانية
يفرد المحور الخامس الأدوار على ست مجموعات متكاملة تبدأ من الفرد؛ إذ يُتوقع منه الالتزام بسلوكيات الوقاية والسلامة وتجنب الأنشطة التي قد تعرضه أو غيره للخطر، بينما يُشجع الحاصلون على ترخيص ممارسة مهنة صحية على اكتساب التدريب ليكونوا مستجيبين أوائل، ويُشجع الممارس الصحي الذي يواجه حالة حرجة ضمن نطاق آمن على تقديم ما يستطيع من إسعاف وفق إمكاناته وتدريبه دون تعريض نفسه أو الآخرين للخطر.
ثم الجهات الإشرافية العامة والخاصة الماشرفة على الأماكن العامة، وتتحمل تجهيز الأجهزة والحقائب بأعداد مناسبة في نطاق جغرافي معقول يغطي مختلف أجزاء المكان، وتأهيل العاملين، والحفاظ على سريان التراخيص.
وتضطلع هيئة الهلال الأحمر بدورها المحوري في تقديم الخدمات؛ فهي توفّر الكوادر المؤهلة والمركبات الإسعافية الأرضية والجوية والأجهزة والمستهلكات الطبية ووسائل الطب الاتصالي، وتستقبل البلاغات من جميع فئات المجتمع عبر قنوات الاتصال المختلفة وتستجيب وفق حدّة الحالة، وتقدّم الرعاية الإسعافية في موقع الحادث وتنقل المريض عند الحاجة إلى المنشأة الصحية المناسبة.
كما تصدر الهيئة الإرشادات والأدلة الفنية المتعلقة بمواصفات أجهزة الإنعاش الموصى بها، وتحدد محتويات الحقائب الإسعافية والأعداد المناسبة لكل منها، بما يشمل المركبات الخاصة والعامة والطائرات والقطارات والسفن، وتجري البحوث والدراسات لتحديد أنماط الحالات الإسعافية الأكثر شيوعًا بالاستناد إلى طبيعة الأنشطة والمواقع والبيئات الجغرافية والعوامل المناخية، بالتنسيق مع المجلس الوطني للسلامة والصحة المهنية في تطوير سياسات التدريب ومناهج الدورات المتخصصة.
وتبقى الجهات الحكومية والهيئات ذات العلاقة طرفًا مؤسسًا؛ فهي تعزز جاهزية منسوبيها الميدانيين ومنسوبي الجهات الخاصة المتعاقد معها أو المصرح لها بتقديم الخدمات عبر تشجيعهم على التدريب، وتحفيز المستجيبين الأوائل عند مشاركتهم في الاستجابة لحالات توقف القلب والتنفس، وتسعى إلى توفير أجهزة الإنعاش والحقائب في نسبة ملائمة من المركبات الأرضية والجوية المخصصة للأعمال الميدانية أو الإشرافية وكذلك في وسائل النقل الجماعي البرية والجوية، وتوفر التجهيزات في الأماكن العامة التابعة لها أو الخاضعة لإشرافها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر الحرمين الشريفين والمساجد والمؤسسات التعليمية ومقار السكن الجماعي والمطارات والمنشآت الرياضية والمرافق السياحية.
وتتولى الهيئة السعودية للتخصصات الصحية تشجيع الممارسين الصحيين على التسجيل كمستجيبين أوائل وتيسير ربطهم بأنظمتها الإلكترونية ودعم الجوانب النظامية التي تحمي الممارس عند تقديم الرعاية وفق إمكاناته وتدريبه.
أما الجهات التنظيمية والعمرانية فتسعى إلى ربط شهادات الإشغال أو أذونات استخدام المباني بالحصول على الشهادات أو التراخيص المعتمدة للسلامة الإسعافية، وإدماج اعتبارات السلامة الإسعافية وحماية الإنسان ضمن مراحل تخطيط المشاريع وتصميمها وتنفيذها واعتمادها.
وتستند الوثيقة إلى أرضية دستورية ونظامية صريحة؛ فالنظام الأساسي للحكم يكفل في مادته (السابعة والعشرين) حق المواطن وأسرته في حالة الطوارئ والمرض والعجز والشيخوخة، وينص في مادته (الحادية والثلاثين) على أن تعنى الدولة بالصحة العامة وتوفر الرعاية الصحية لكل مواطن.
ويضيف إطار الأنظمة العامة مادتين تفتحان باب المسؤولية المجتمعية؛ المادة (الثامنة عشرة) من نظام الدفاع المدني التي تجعل كل شخص ولو لم يكن متطوعًا مسؤولًا عن تقديم المساعدة الممكنة واللازمة لعمليات الدفاع المدني عند الضرورة، والمادة (الثامنة) من نظام مزاولة المهن الصحية التي توجب على الممارس الصحي الذي يشهد أو يعلم بأن مريضًا أو جريحًا في حالة خطرة أن يقدم له المساعدة الممكنة أو يتأكد من تلقيه العناية الضرورية.










































