اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د. بدر بن سعود
موسم الرياض تجاوز تعريفه التقليدي كحدث ترفيهي عابر، وقدم نفسه كنموذج مصغر لاقتصاد المملكة الجديد، ما يعني أن السعوديين أمام مرحلة انتقالية غيّرت اتجاه بوصلة العاصمة من الاعتماد على تصدير الموارد الطبيعية، إلى ابتكار التجارب وصناعة الأسواق. وهذا الحراك لا يحقق الأرباح المباشرة وحدها، ولكنه يؤسس لقوة ناعمة تستند إلى قواعد تجارية صلبة..
بدأ 'موسم الرياض' في نسخته السابعة، يوم الأربعاء 21 أكتوبر من العام الجاري، بفعاليات تمتد لستة أشهر، وسط ظروف استثنائية تعيشها المنطقة. ولا يمكن قراءة ذلك في سياق الترفيه المجرد، وإنما كأداة استراتيجية تؤسس لـ'اقتصاديات الجاذبية'، ومثلما وظفت لندن 'مهرجان بريطانيا' عام 1951 وسط أزمات ما بعد الحرب العالمية الثانية كرسالة سيادية لتأكيد متانة بنيتها التحتية واستعادة ثقة المستثمرين، تنظم المملكة فعالياتها في الوقت الحالي لتكريس موقعها كملاذ آمن لرأس المال الدولي. وبالنظر إلى تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) لعام 2024 حول 'الأثر الاقتصادي للفعاليات الكبرى'، فإن هذا النوع من الأحداث قادر على رفع مؤشرات الاستثمار الأجنبي المباشر بنسب تتجاوز 30%. وبما أن زوار الموسم في نسخته السابقة وصلوا لقرابة الـ20 مليون زائر، فإن الدلالة تتجاوز المكاسب السياحية المباشرة، لأن هذه الكثافة البشرية تمثل اختباراً عملياً لكفاءة قطاعات الطيران، والضيافة، وسلاسل الإمداد، وبطريقة تضمن 'فك الارتباط' بين حيوية الاقتصاد السعودي والأزمات الدائرة في محيطه.
بعيداً عن إبهار المشهد البصري للفعاليات، يُعتبر الموسم مختبراً حياً لأعقد ممارسات 'اقتصاد البيانات'. فالزوار لا يتوقفون عند استهلاك الترفيه، ولكنهم يضخون ملايين البصمات الرقمية من خلال أنماط الإنفاق، وخرائط التنقل الحرارية، والعمليات المالية اللحظية، وهذا التدفق الضخم يعمل كحقل متجدد لـ'النفط الرقمي'، ويمنح صانع القرار قدرة استباقية دقيقة لقراءة بوصلة السوق السلوكية والاستثمارية. والمقاربة السابقة شبيهة بما أنجزته طوكيو في أولمبياد 2020، حين وظفت الحدث كأضخم منصة لاختبار شبكات الجيل الخامس وإدارة الحشود بالذكاء الاصطناعي، وتستثمر الرياض هذه الكثافة البشرية لاختبار الجاهزية القصوى لبنيتها التقنية. والترفيه في هذه الحالة ليس أكثر من واجهة ناعمة لتشغيل أصعب الأنظمة التقنية، ما يحول الرياض إلى 'عقل إلكتروني' بإمكانه التنبؤ بالتحولات الاقتصادية وإدارتها، ولا يُحصَر دوره كأداة استجابة لما يترتب عليها.
التحول الأهم في الهوية الاقتصادية للموسم كان في انتقاله من حالة 'الاستيراد' إلى مرحلة تأسيس 'اقتصاد الملكية الفكرية'. فالرياض في هذه الأيام ليست مجرد محطة جغرافية لاستضافة الفعاليات، فقد تحولت فعلياً إلى 'صانع سوق' يحتكر ابتكار الأحداث العالمية الكبرى ويستحوذ على حقوقها التجارية. والدليل تصدير علامة 'موسم الرياض' لتنظيم ورعاية نزالات الملاكمة العالمية في عواصم مثل لندن ولوس أنجليس؛ حيث سجل نزال ويمبلي الأخير حضوراً قياسياً تجاوز 96 ألف متفرج، ووصف أنه أكبر تجمع في التاريخ البريطاني. وبذلك، فالمسألة انتقلت من فكرة التمدد الدعائي، إلى الحيازة الاستراتيجية المدروسة لحصص مؤثرة في قطاع الترفيه الرياضي الدولي. وهو مسار يتقاطع بوضوح مع النموذج الكوري الجنوبي الذي ولد بعد الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، عندما حولت سيئول صناعة المحتوى إلى آلة تصدير تتجاوز عوائدها الحالية 13 مليار دولار سنوياً. وفيه تأكيد على أن المملكة لا تحاول شراء الانتباه العالمي منفرداً، ولكنها تساهم في صناعة القوالب التي يتم من خلالها إنتاج هذا الانتباه، ليتحول الترفيه من قطاع استهلاكي محلي إلى أصل تجاري عابر للقارات.
بالإضافة لما سبق، لا يمكن إغفال الدور المحوري للموسم ضمن ما يُعرف بـ'رسملة الأصول' وإعادة رسم الواجهة الحضرية لمدينة الرياض، خصوصاً أن العاصمة تشكل 50% من الاقتصاد غير النفطي للمملكة، مثلما أكد سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في مناسبة سابقة. فالمفهوم التقليدي للفعاليات يرتبط بهياكل وتجهيزات مؤقتة تفكك بانتهاء الحدث، لكن ما يحدث في العاصمة السعودية يمثل عملية توظيف لهذه الكثافة لخلق وجهات حيوية ثابتة تزيد من القيمة السوقية للعقارات المجاورة، وتؤسس لفرص استثمارية طويلة الأجل. وهذه المنهجية تشبه التجربة الإسبانية في أولمبياد برشلونة 1992؛ حيث لم تكن المكاسب الحقيقية في عوائد التذاكر، وإنما في استغلال الحدث لإنجاز أكبر عملية تجديد حضري في أوروبا، ما ضاعف الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاعها العقاري بنسبة 400% خلال عقد واحد. وبهذا المعنى، يصبح الترفيه في جوهره مجرد صالة عرض ضخمة، بينما ما يعرض ويسوق للصناديق السيادية والشركات العالمية هو مدينة الرياض نفسها.
التأثير لا يقف عند حدود الواجهة الحضرية، لأنه يتجاوزها بإنعاش دورة رأس المال داخل السوق المحلي، واستناداً إلى الأرقام الرسمية المأخوذة من النسخ الماضية، تمكن الموسم من توليد أكثر من 200 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، بمشاركة أكثر من ستة آلاف شركة سعودية في منظومة التشغيل. وهذا المستوى من التعاقدات يمنح قطاع الأعمال فرصة حقيقية للتطور، ويضع خدمات النقل والضيافة أمام تحديات ترفع كفاءة سلاسل الإمداد الوطنية. وتشير التقارير الاقتصادية إلى أن إشراك الشركات المحلية في هذه الفعاليات الضخمة يطور أداءها بوتيرة أسرع، ما يفيد في بناء قطاع خدمات وطني لديه مناعة عالية، وقدرة تنافسية تميزه عن غيره، وتؤهله لتصدير خبراته إلى أسواق المنطقة.
موسم الرياض تجاوز تعريفه التقليدي كحدث ترفيهي عابر، وقدم نفسه كنموذج مصغر لاقتصاد المملكة الجديد، ما يعني أن السعوديين أمام مرحلة انتقالية غيّرت اتجاه بوصلة العاصمة من الاعتماد على تصدير الموارد الطبيعية، إلى ابتكار التجارب وصناعة الأسواق. وهذا الحراك لا يحقق الأرباح المباشرة وحدها، ولكنه يؤسس لقوة ناعمة تستند إلى قواعد تجارية صلبة. وعند قراءة المشهد بصورة كاملة، سنجد أن الترفيه غادر مربع الكماليات الاستهلاكية ليصبح محركاً استراتيجياً يعيد صياغة مكانة الرياض على خارطة الاقتصاد العالمي، وفيه إشارة إلى أن الاستثمار في جودة الحياة وابتكار الأحداث يمثل أذكى أنواع الاستثمارات السيادية التي تراهن عليها السعودية لمستقبل أفضل.










































