اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢١ أيلول ٢٠٢٦
ما إن سقطت فلسطين بقبضة الاحتلال البريطاني حتى تشكلت عام 1920 عصابات صهيونية تحت اسم «هاغاناه وعفوداه» وهي تعني فرقة الدفاع والعمل، وفيما بعد أسقطت كلمة العمل ليبقى اسم هاغاناه هو المعبر عن تلك العصابات، التي نشأت بحجة الدفاع عن المستوطنات.
تكونت الهاغاناه من المهاجرين اليهود الذي وفدوا إلى فلسطين، ثم دعمت بعناصر الفيلق اليهودي، الذي حارب إلى جانب بريطانيا في الحرب العالمية الأولى، ثم قامت بريطانيا بحله، فانضمت عناصر الفيلق بخبرتها القتالية إلى الهاغاناه، لتصبح تلك العصابات ذات خبرة عالية في التنظيم والتخطيط والاغتيالات والعمليات العسكرية.
أنشأت الهاغاناه نقاطا عسكرية لتجميع الذخيرة والسلاح والمؤن الغذائية، لاستخدامها في الأعمال العدائية ضد الفلسطينيين، وأسهمت في إنشاء خمسين مستوطنة صهيونية، ونفذت أعمالا عدائية ضد الفلسطينيين، لطردهم من أراضيهم وإحلال المهاجرين الصهاينة، وشكلت مع عصابات أخرى نواة الجيش الإسرائيلي بعد نكبة 1948.
اليوم يعود ذكر هذه العصابات، على خلفية الأنشطة العدائية السافرة التي يقوم بها المستوطنون الإسرائيليون في الضفة، والذين لم يعد يُنظر إليهم على أنهم تجمعات مدنية، وإنما باعتبارهم ميليشيات مسلحة مدعومة دعما كاملا من الحكومة اليمينية المتطرفة، لتُطرح التساؤلات حول ما يمكن أن تقدمه ميليشيات المستوطنين للمشروع الصهيوني. المستوطنون سلاح استراتيجي يستخدمه الكيان الإسرائيلي بشكل استعماري مدروس وممنهج، كرأس حربة في المشروع الصهيوني للسيطرة الكاملة على الضفة، من خلال التغيير الديمغرافي، الذي يبدو أن الاحتلال قد استعاض في تنفيذه بالمستوطنين، من دون إقحام الطائرة والدبابة. المستوطنون يعتبرون الاستيطان واجبا دينيا مقدسا استنادا إلى عقيدة الأرض الموعودة، ومن ثم تمولهم الحكومة بسخاء، وتوفر لهم البنى التحتية المتطورة وفرص العمل وتعفيهم من الضرائب، وأصبح الاقتصاد الاستيطاني الذي يتم تصدير منتجاته أداة من أدوات تبييض وجه الاحتلال دوليا. يعمل المستوطنون وفق مبدأ الواقع يفرض نفسه، حيث تزحف المستوطنات، من دون إعلان رسمي، فتغدو الأراضي التي تقام عليها مستوطنات إسرائيلية نقاط ارتكاز لمزيد من التوسع، ومبررا أمنيا في الوقت نفسه لنشر المزيد من القوات، وبناء الجدران والحواجز، فتتحول ملكية الأراضي الفلسطينية إلى قبضة السيطرة الإسرائيلية.
الضفة الغربية تحولت إلى ساحة عمل لميليشيات المستوطنين الإسرائيليين كقوة شبه عسكرية لتحقيق أهداف المشروع الصهيوني، وهي مجموعات منظمة، من بين عناصرها عناصر تم استدعاؤها للخدمة الاحتياطية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في الوقت الذي تدعي الحكومة الإسرائيلية، أن هذه الجماعات كيانات مارقة، وذلك للتغطية على أعمالها العدائية. تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن الدعم المالي والعسكري من الحكومة الإسرائيلية مكن هجمات المستوطنين، التي ازدادت رقعتها وحدّتها، بدعم وافر من وزير الأمن الصهيوني إيتمار بن غفير، الذي أعلن انضمام مئات الآلاف من المستوطنين اليهود في القدس لقائمة المؤهلين للحصول على سلاح، بعضهم يسكن في بؤر استيطانية وسط الأحياء الفلسطينية.
تعمل ميليشيات المستوطنين على تهجير الفلسطينيين في الضفة، من خلال الأعمال العدائية من حرق للأراضي الزراعية، واعتداءات متكررة على المنازل، وقطع الماء والكهرباء عن بيوت الفلسطينيين، بالتوازي مع قرارات هدم منازل الفلسطينيين التي تنفذها الحكومة وإقامة المستوطنات في أماكنها. خطورة المستوطن الإسرائيلي تكمن في أن وجوده يعيد ترتيب المجال المحيط به، فأي بقعة يستوطنها يصبح الطريق إليها جزءا من شبكة جديدة، ومنطقة أمنية تعيق تحركات الفلسطينيين، وتتحول إزاءها الأراضي الزراعية ومواردها المائية والمراعي التي يحوزها الفلسطينيون، مواضع للنزاع، تقضي فيه حكومة متطرفة توآزر المستوطنين.هناك اختلاف في السياق التاريخي الذي عملت ضمنه عصابات الهاغاناه وأخواتها، عن السياق الذي تعمل ضمنه ميليشيات المستوطنين، كما أن الهاغاناه هي التي عملت على تهجير الفلسطينيين من أجل إقامة الدولة، بينما الدولة اليوم وحكومتها هي التي أنبتت ورعت المستوطنين من أجل مزيد من السيطرة على الأراضي في فلسطين المحتلة. لكن ثمة تشابه تاريخي بين الهاغاناه والميلشيات الاستيطانية، وهو استخدام الاستيطان المنظم والحماية المسلحة وتغيير الخريطة على الأرض، بوصفها عناصر مترابطة في بناء مشروع سياسي طويل الأمد.
الميليشيات الاستيطانية رأس حربة للمشروع الصهيوني المتطرف الذي يعتبر الضفة أرضا يهودية خالصة، مهمتها هي إحداث التغيير الديمغرافي بتهجير الفلسطينيين وإحلال الإسرائيليين، وهو عين المهمة التي كانت تنفذها عصابات الهاغاناه وغيرها. لا إبالغ إن قلت إن عمل ميليشيات الاستيطان في الساحة الفلسطينية أخطر من عمل العصابات القديمة، ذلك لأن الهاغاناه كانت تعمل بلا غطاء حكومي، إذ لم تكن قد أقيمت دولة الكيان الإسرائيلي بعد، أما المستوطنون فهم يعملون تحت غطاء من الحكومة، تتبادل معهم الأدوار في تنفيذ مخطط التهجير، وتوفر لهم الحماية وتقنين الأوضاع، بما يجعل تحركاتهم أسهل وأكثر مرونة، من دون اللجوء إلى إحداث مجازر تثير الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي.
إذا كانت هذه خطورة الميليشيات الاستيطانية، فلا أقل من قيامنا إزاء هذا الخطر بالتأكيد على تنشيط الدعوة إلى حملات دولية لمقاطعة الاقتصاد الاستيطاني، والضغط على المتاجر العالمية لوقف بين منتجات المستوطنات، وكشف سياسات وممارسات المنظمات والدول التي تدعم النشاط الاستيطاني في فلسطين محتلة بهدف تكوين رأي عام عالمي مناهض لها، ودعم صمود الفلسطينيين في التمسك بأراضيهم، وتسليط الضوء الإعلامي على معاناتهم المستمرة.












































