اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٤ حزيران ٢٠٢٦
محمد البكر
قبل أسبوع كتبت أن التأهل إلى كأس العالم لا يجب أن يتحول إلى شهادة نجاح دائمة ولا إلى ستار يخفي العيوب الفنية التي كانت واضحة، يومها اعتبر البعض أن الحديث مبالغ فيه وأن النتائج ستأتي لاحقًا لكن ما حدث أمام إسبانيا في مونديال 2026 أثبت أن كرة القدم لا تخدع أحدًا طويلًا.
الهزيمة لم تكن مجرد خسارة مباراة بل كانت سقوطًا مؤلمًا لصورة المنتخب التي حاول الجميع رسمها خلال الفترة الماضية، في ليلة كان المنتظر فيها أن يظهر المنتخب السعودي بشخصية فنية على أقل تقدير متماسكًا، شاهدنا فريقًا تائهًا، ولاعبين يتحركون وكأنهم أشباح داخل الملعب، بلا روح تنافسية، بلا رد فعل وبلا قدرة على مجاراة نسق مباراة بحجم كأس العالم.
إسبانيا لم تنتصر لأنها كانت خارقة للعادة، بل لأنها وجدت أمامها منتخبًا أعطاها المباراة منذ دقائقها الأولى فالمساحات كانت مفتوحة، التنظيم غائب، التحولات بطيئة، والأخطاء الفردية تتكرر بشكل يدعو للاستغراب، وكأن المنتخب دخل المباراة دون أن يعرف ماذا يريد منها أصلًا.
الحديث هنا ليس عن اللاعبين وحدهم، فجزء كبير من المسؤولية يقع على المدرب، دوينس أخطأ في قراءة المباراة قبل بدايتها وأخطأ في تحضيرها وأخطأ في إدارتها أثناء أحداثها، اختيارات لم تكن مقنعة وأدوار تكتيكية أربكت اللاعبين بدل أن تساعدهم، وردة فعل متأخرة أمام سيناريو كان يتدهور دقيقة بعد أخرى في بطولات بحجم كأس العالم لا يكفي أن تملك خطة، بل يجب أن تملك الخطة البديلة والثالثة والرابعة وهو ما لم نشاهده إطلاقًا.
أما اللاعبون فلا يمكن إعفاؤهم من المسؤولية، فبعضهم ظهر وكأنه يؤدي واجبًا وظيفيًا لا مباراة تمثل وطنًا بأكمله، غابت الشخصية وغاب الحضور الذهني وغاب الإيمان بالقدرة على المنافسة، فالمنتخب الذي هزم الأرجنتين قبل أعوام لم يكن يملك أسماء أفضل مما يملك اليوم، لكنه كان يملك شجاعة أكبر وروحًا لا تستسلم.
المؤلم في المشهد أن هذه الهزيمة لم تأتِ من فراغ، كانت هناك إشارات تحذيرية كثيرة خلال فترة الإعداد، وكانت هناك مباريات ودية كشفت الخلل بوضوح لكن لغة المجاملات انتصرت على لغة النقد، وأصبح كل من يتحدث عن القصور الفني متهمًا بالتشاؤم أو المبالغة.
اليوم لا فائدة من البحث عن أعذار جاهزة، لا الإرهاق عذر ولا ضغط المباريات عذر ولا قوة المنافس عذر المنتخبات الكبيرة تُقاس بقدرتها على المنافسة عندما ترتفع درجة الصعوبة، لا عندما تكون الظروف مريحة.
ما حدث أمام إسبانيا يجب أن يكون جرس إنذار حقيقيًا لا مجرد نتيجة تُطوى صفحاتها بعد أيام لأن المشكلة ليست في الخسارة نفسها بل في الطريقة التي خسر بها المنتخب، نتفق أن الهزائم جزء من كرة القدم أما الاستسلام فهو المشكلة الحقيقية.
بعد هذه السقطة المونديالية المتوقعة لم يعد تبرير الإخفاق أو البحث عن أعذار كافيا، المرحلة تفرض مراجعة شاملة تبدأ من أعلى الهرم الإداري لأن النتائج الكبيرة لا تصنعها الأجهزة الفنية وحدها ولا يتحملها اللاعبون وحدهم، الاتحاد السعودي لكرة القدم مطالب بأن يمنح مساحة أكبر للأفكار الجديدة والكفاءات القادرة على الإضافة والتطوير، فنجاح أي منظومة يرتبط بقدرتها على التجدد وتقييم نفسها بجرأة، كرة القدم لا تعرف المجاملات ومن لا يحقق الإضافة عليه أن يترك المجال لمن يملك رؤية مختلفة وطموحًا أكبر لأن المصلحة الحقيقية تكمن في تقدم المنتخب وتطور مشروع الكرة السعودية لا في بقاء الأسماء أو استمرار الأساليب ذاتها رغم تكرار الإخفاقات.
قلتها قبل المونديال وأكررها بعد الفضيحة وليست الهزيمة، التاريخ لا يتذكر من تأهل ولا من شارك، بل يتذكر من كان حاضرًا عندما حانت لحظة الاختبار، وأمام إسبانيا للأسف لم يكن المنتخب حاضرًا كما عودنا عليه الاتحاد السعودي ولاعبو المنتخب منذ أعوام لا جديد يُذكر.. ودمتم سالمين.










































