اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. محمد المسعودي
منذ البدايات؛ حظي منتدى الرياض الاقتصادي برعاية القيادة، حيث رعى الأمير سلمان افتتاح دورته الثانية عام 2005 نيابةً عن الملك عبدالله، وجاءت الرعاية الملكية للدورة الأخيرة امتدادًا لهذا الاهتمام، بما يمنح النقاش الاقتصادي مساحة من الجدية والاستمرارية لعاصمة الاقتصاد والمستقبل..
في ديسمبر 2005، وقف الملك سلمان بن عبدالعزيز، أمير منطقة الرياض آنذاك، أمام المشاركين في منتدى الرياض الاقتصادي، متحدثًا عن حاجة الاقتصاد إلى دراسة علمية شاملة لمواجهة التحديات. وبعد أكثر من عشرين عامًا، افتتح الأمير فيصل بن بندر، أمير منطقة الرياض والرئيس الفخري للمنتدى، دورته الثانية عشرة نيابةً عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبين المشهدين حكاية تستحق القراءة: كيف حافظت الرياض على مساحة يجتمع فيها الاقتصاد مع البحث والحوار، بينما كانت المملكة تعيد رسم ملامح مستقبلها؟
بدأت الحكاية بمبادرة من غرفة الرياض، وتُوّجت بعقد الدورة الأولى عام 2003، عندما حضرت موضوعات بيئة الاستثمار، والأنظمة القضائية، والمنشآت الصغيرة، ومشاركة المرأة في التنمية. ومنذ البدايات، حظي المنتدى برعاية القيادة؛ فقد انعقدت دورته الأولى برعاية ولي العهد آنذاك الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، ثم رعى الأمير سلمان افتتاح دورته الثانية عام 2005 نيابةً عن الملك عبدالله. وجاءت الرعاية الملكية للدورة الأخيرة امتدادًا لهذا الاهتمام، بما يمنح النقاش الاقتصادي مساحة من الجدية والاستمرارية.
والدلالة الأهم تظهر في مسار التوصيات، ففي افتتاح الدورة العاشرة عام 2022، أوضح الأمير فيصل بن بندر أن خادم الحرمين الشريفين وجّه بإحالة توصيات الدورة السابقة إلى الجهات الحكومية للاستفادة منها. مثل هذه الوقائع تكشف مكانة المنتدى في العلاقة بين القطاع الخاص وصانع القرار؛ إذ يصبح البحث مدخلًا للنظر في السياسات، وتغدو مسؤولية المنتدى أكبر كلما ازدادت قيمة ما يقدمه من معرفة.
خلال إحدى عشرة دورة، قدم المنتدى 57 دراسة خرجت منها 384 توصية ومبادرة، فضلًا عن 122 حلقة نقاش و157 ندوة وورشة عمل. وراء الأرقام منهج يجمع رجال وسيدات الأعمال بالباحثين والمسؤولين، ويمنح الخبرة الميدانية فرصة لتختبر افتراضات الدراسات. تلك إحدى ميزات المنتدى: أن الاقتصاد يُقرأ من داخل المنشأة والمدينة والجامعة، ثم تُناقش نتائجه على طاولة واحدة.
وتكفي العودة إلى الدورة الحادية عشرة عام 2024 لرؤية اتساع هذا الأفق؛ فقد ناقشت جودة الحياة الوظيفية والإنتاجية، والذكاء الاصطناعي، والاستثمار بين المناطق، وتعظيم العائد من الموارد الطبيعية، وفي هذه الموضوعات ملامح اقتصاد انتقل من سؤال توسيع النشاط إلى سؤال كفاءته وعمق قيمته التنموية.
ومع رؤية السعودية 2030، التي يقودها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، اكتسب هذا الدور معنى أكثر إلحاحًا.. تستهدف الرؤية تنويع الاقتصاد وتعزيز مساهمة القطاع الخاص، وقد سجلت هذه المساهمة 51% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، مقابل مستهدف يبلغ 65% في 2030. وأمام تحول بهذا الحجم، تحتاج السياسات إلى أفكار تنبع من الواقع، وتحتاج المؤسسات إلى معرفة تساعدها على اختيار ما ينفع المستقبل.
لذلك تبدو دورة 2026 احترافية التنظيم ومترابطة الموضوعات أكثر مما توحي به عناوينها؛ فالازدحام المروري يمس إنتاجية المدينة ووقت الإنسان، وتوطين المعرفة يحدد ما يبقى في المؤسسات من خبرة، وقياس نتائج التشريعات يختبر جودة التنظيم، والزراعة الذكية تواجه تحدي المياه والغذاء، واختُتمت الدورة بثلاث وثلاثين توصية تتصل بهذه القضايا.
لفتني في حديث رئيس مجلس أمناء المنتدى الدكتور عبدالعزيز العنقري، تأكيده أن طموح المنتدى يتجاوز أيام انعقاده الثلاثة، وصولًا إلى توصيات قابلة للتطبيق. وهذه عبارة تختصر اختبارًا تواجهه المنتديات الفكرية جميعها: ماذا يحدث للفكرة بعد أن يغادر المتحدثون المنصة؟
وهنا أرى فرصة التطوير الأهم، هو إنشاء سجل علني يتتبع التوصيات عبر الدورات، وما تبنته الجهات المعنية منها، ومؤشرات تنفيذها، وما استجد على القضايا التي ناقشتها. فملفا النقل والأمن الغذائي، اللذان طُرحا في دورة 2011 وعادا بصيغ جديدة عام 2026، يصلحان نموذجًا لقراءة ما تغير خلال خمسة عشر عامًا.
وفي المنعطف نفسه؛ يأتي رئيس غرفة الرياض عبدالله العبيكان توجهًا لتطوير المنتدى وإعادة هيكلته وربط مخرجاته بالأولويات الوطنية. ويمكن لهذا التوجه أن يضيف وظيفة دائمة، تتمثل في ترجمة المعرفة إلى لغة يصل إليها المواطن، وإتاحة نتائج المتابعة للجامعات ورواد الأعمال والجهات المعنية. فالتوصية المرورية تعني ساعات من حياة أسرة، وتوطين المعرفة يعني مستقبل موظف شاب، وكفاءة الموارد تعني حق أجيال قادمة.
تاريخ منتدى الرياض الاقتصادي يمنحه مكانة معتبرة، ورعاية القيادة تعطيه سندًا مؤسسيًا، ورؤية 2030 تمنحه أفقًا واضحًا، وتبقى القيمة التي يستحق أن يعمل من أجلها: أن تعود كل دورة إلى الأسئلة القديمة لتفهم ما تغير، ثم تضع بين يدي صانع القرار الإجابات الاحترافية الوافية.










































