اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة البلاد
نشر بتاريخ: ٣٠ أيلول ٢٠٢٦
لم يعد مصطلح'شيخوخة العلاقات' حكرًا على الزيجات الممتدة لعقود طويلة؛ بل بات ظاهرة اجتماعية مقلقة تطرق أبواب البيوت الحديثة بعنف، لتلتهم زهور العلاقات في ربيعها الأول. إن الأرقام الصادمة التي تطالعنا بها السجلات الإدارية لوزارة العدل والهيئة العامة للإحصاء في المملكة العربية السعودية، والتي تؤكد أن أكثر من 65% من حالات الطلاق تقع خلال السنة الأولى من الزواج، تستدعي وقفة أكاديمية وإرشادية جادة. نحن أمام تشخيص دقيق لوهن مبكر يصيب جسد الأسرة المعاصرة، ويتطلب تفكيكًا مهاراتيًا ونفسيًا لإنقاذ جيل كامل من فخ الانفصال السريع .
إن السبب الحقيقي وراء هذا الانهيار السريع لا يكمن في قلة الحب أو غياب المشاعر، بل في صدام التوقعات الخيالية المفرطة مع صخرة الواقع اليومي ورتابته . يدخل الشابان اليوم إلى قفص الزوجية محملين بـ 'كتالوج' رومانسي مشوّه رسمته بعناية منصات التواصل الاجتماعي، حيث تظهر الحياة كرحلة مستمرة من الترفيه والهدايا والانسجام المطلق. عندما تبدأ الحياة الفعلية، ويجد الطرفان أنفسهما أمام مسؤوليات مادية، وضغوط اقتصادية، وتفاصيل حياتية مشتركة تتطلب تنازلًا مرنًا، تسقط الصورة الحالمة فجأة. وبسبب غياب الإعداد النفسي والتربوي المسبق، تعجز الإدارة الزوجية الناشئة عن العبور الآمن من مرحلة 'الانبهار والشغف المؤقت' إلى مرحلة'الاستقرار والالتزام الواعي'.
علاوة على ذلك، يبرز الفقر المهاراتي في إدارة الأزمات؛ كعامل حسم في تسريع وتيرة الطلاق المبكر. فمنظور الإرشاد النفسي يؤكد أن الخلافات في السنة الأولى أمر طبيعي وصحي؛ لأنها تمثل مرحلة'التكامل والضبط السلوكي' واكتشاف الطباع. إلا أن الإشكالية تكمن في افتقار الأزواج الجدد لأبجديات الحوار البنّاء، فيستبدلون النقاش الواعي بأساليب مدمرة مثل الصمت العقابي، أو اللوم المتبادل، أو العناد الطفولي. هذه السلوكيات تحول الخلافات البسيطة حول تفاصيل عادية إلى أزمات وجودية تطال كرامة الطرفين، مما يضخم التراكمات النفسية الصغيرة، حتى تتحول إلى جدران عازلة يصعب هدمها .
ولا يمكننا عزل هذا الوهن الأسري عن البيئة المحيطة، حيث يلعب اضطراب شبكة الدعم الاجتماعي دورًا محوريًا في هذا الملف. في السابق، كانت الأسرة الممتدة تلعب دور الوسيط الحكيم الذي يمتص الأزمات بحكمة الشيوخ. أما اليوم، فقد انقسم التدخل الأسري إلى شقين أحلاهما مر؛ إما غياب تام للوساطة وترك الزوجين في عزلة مهاراتية، أو على النقيض، تدخل سلبي سافر من الأطراف الخارجية يسكب الزيت على حريق الخلافات البسيطة، بدافع الحماية الزائدة أو الانتصار للابن أو الابنة، مما يعجل بنهاية العلاقة .
إن حماية الأسرة الناشئة من هذه الشيخوخة المفاجئة تتطلب ثورة حقيقية في الوعي المجتمعي؛ تبدأ بالانتقال من الحلول العلاجية إلى الحلول الوقائية. إننا بحاجة ماسة لتحويل دورات التأهيل النفسي والاجتماعي للمقبلين على الزواج إلى مسار إلزامي منظم، على غرار الفحص الطبي قبل الزواج. يجب أن تركز هذه البرامج على تفكيك الأوهام الرقمية، وبناء مهارات الذكاء العاطفي، والتخطيط المالي المشترك. بالتوازي مع ذلك، يجب نشر ثقافة الاستشارة الأسرية المبكرة، بحيث يصبح اللجوء إلى مكاتب الإرشاد الأسري المعتمدة خطوة طبيعية لحل الشفرات السلوكية بين الزوجين، وقبل اتخاذ القرار المتسرع بالانفصال. الزواج ليس محطة وصول مستريحة تنتهي بمجرد انتهاء حفل الزفاف، بل هو رحلة بناء يومية شاقة وممتعة، وقيمته الحقيقية تكمن في القدرة على إدارة الاختلاف بوعي، ونضج، ومرونة تطيل عمر العلاقة وتحميها من الزوال.
أستاذ علم النفس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.










































