اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢١ حزيران ٢٠٢٦
د. مها الدخيل
استطاع البودكاست أن يفرض نفسه بوصفه أحد أبرز أشكال الإعلام الرقمي، وأعاد الاعتبار للكلمة المسموعة في زمنٍ تهيمن فيه الصورة على كل شيء، واستطاع هذا النوع من المحتوى أن يجذب ملايين المتابعين لأنه وفر مساحة للإنصات والتفكير، وقدم حوارات عميقة وتجارب ملهمة ومعارف متنوعة يمكن الاستفادة منها في أي وقت وأي مكان بعيداً عن إيقاع المحتوى السريع الذي تفرضه منصات التواصل الاجتماعي.
ومع تطور هذا المجال ظهر ما يسمى بـ(البودكاست المصور) الذي جمع بين مزايا الصوت والصورة، ومنح المشاهد فرصة متابعة الحوار ورؤية تفاعل الضيوف ولغة الجسد، والذي بدوره وسّع قاعدة جمهوره وفتح أمامه آفاقاً إعلامية واستثمارية جديدة.
ولكن اتجه (بعض) صناع البودكاست إلى استضافة شخصيات لا تمتلك تجربة ملهمة، ولا إنجازاً يستحق أن يُروى، ولا فكرة تضيف إلى وعي المشاهد أو تثري معرفته، وأصبح المعيار في بعض الحالات هو حجم الجدل الذي يمكن أن يثيره الضيف، لا في قيمة ما يقدمه من محتوى.. فتتحول الحلقة إلى مساحة للحديث عن الخلافات الشخصية، أو تداول الشائعات، أو كشف تفاصيل الحياة الخاصة، أو إطلاق تصريحات مثيرة هدفها تصدر منصات التواصل الاجتماعي، بينما يغيب الحوار الهادف الذي يمنح المشاهد معلومة جديدة أو رؤية مختلفة أو تجربة تستحق الاستماع.
المؤسف أن هذا النوع من المحتوى يجد رواجاً سريعاً، ليس لأنه أكثر جودة، وإنما لأن الإثارة باتت إحدى أسرع الطرق لجذب المشاهدات، ومع مرور الوقت أصبح بعض صناع المحتوى يطاردون الأرقام أكثر من الجودة، حتى تحولت بعض حلقات البودكاست إلى مادة ترفيهية عابرة تنتهي بانتهاء الحلقة، دون أن تترك أثراً في عقل المتلقي أو تضيف إليه شيئاً.
ولا تكمن المشكلة في استضافة المشاهير أو الشخصيات المعروفة، بل في غياب معيار القيمة، فليس كل مشهور يملك ما يستحق أن يُسمع، فالمستمع اليوم لا يحتاج إلى ساعات من الأحاديث الفارغة، بل إلى محتوى يحترم وقته، ويقدم معرفة، أو ينقل خبرة، أو يفتح باباً للتأمل والتفكير.
وفي النهاية، سيبقى البودكاست واحداً من أهم المنصات الإعلامية الرقمية المهمة إذا حافظ على جوهر فكرته في تقديم حوار يثري الفكر ويحترم عقل الجمهور، أما إذا تحول إلى منصة لتسويق الجدل والإشاعات وملاحقة «الترند»، فإنه سيفقد تدريجياً هويته ورسالته، ويصبح مجرد نسخة أخرى من المحتوى الاستهلاكي المكرر الذي يملأ الفضاء الرقمي.










































