اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
تنتشر الأخبار عبر المنصات الرقمية بسرعة تفوق أحياناً قدرة الناس على التحقق من صحتها، وتتضاعف خطورتها عندما يتحول نشرها إلى وسيلة للكسب وتحقيق المصالح الشخصية. فثمة فرق بين مستخدم يشارك محتوى بدافع قناعته، وآخر يطلب منفعة أو يقبلها مقابل نشر محتوى غير قانوني أو أخبار زائفة؛ إذ يصبح النشر في هذه الحالة وسيلة لاستغلال ثقة الجمهور وتحقيق المكاسب على حساب الحقيقة، بما قد يترتب عليه من مسؤولية قانونية.
وفي سياق قراءتنا التحليلية لمواد قانون الجرائم الإلكترونية الأردني رقم (17) لسنة 2023، تعالج المادة (21) صورة من صور هذا الاستغلال، تتعلق بطلب هدية أو وعد أو أية منفعة أخرى أو قبولها، سواء أكانت المنفعة للشخص نفسه أم لغيره، مقابل نشر محتوى غير قانوني أو أخبار زائفة أو إعادة نشرها باستخدام الوسائل الرقمية التي حددها القانون.
فكيف تتجسد هذه الجريمة في واقعنا اليومي؟
لنتصور صاحب صفحة يتلقى عرضاً مالياً لنشر خبر مختلق عن شخص أو مؤسسة، أو مستخدماً يُطلب منه إعادة تداول محتوى غير قانوني مقابل هدية أو وعد بمنفعة. فإذا طلب الشخص المنفعة أو قبلها مقابل هذا النشر، وتوافرت بقية العناصر القانونية، فإن فعله قد يندرج ضمن الجريمة التي تعالجها المادة (21)، فالمنفعة لا تقتصر على المال النقدي، بل تشمل الهدية والوعد وأية منفعة أخرى، كما يشمل النص الفعل سواء وقع داخل المملكة أو خارجها.
وهنا تبرز ضرورة التمييز بين هذا السلوك والإعلانات التجارية المشروعة؛ فالحصول على أجر مقابل الترويج لمنتج أو خدمة مشروعة لا يشكل بمجرده الجريمة المنصوص عليها في المادة. إنما يتوقف التجريم على طبيعة المحتوى المنشور، وارتباط المنفعة بنشر محتوى غير قانوني أو أخبار زائفة، وتوافر سائر العناصر التي يتطلبها النص. فليس كل نشر مقابل أجر فعلاً مجرّماً، وإنما العبرة بحقيقة الفعل وظروفه.
أما العقوبة، فقد حددت المادة (21) الحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات، وغرامة تعادل قيمة ما طُلب أو قُبل من نقد أو عين، على ألا تقل عن (5000) خمسة آلاف دينار. وبذلك فإن من تثبت مسؤوليته عن ارتكاب الجريمة يواجه عقوبتي الحبس والغرامة معاً، وقد تتجاوز الغرامة حدها الأدنى بحسب قيمة المنفعة المعنية.
ولا تنحصر خطورة هذا السلوك في العقوبة؛ فالخبر الزائف المنشور مقابل المال قد يؤدي إلى تشويه سمعة إنسان، أو الإضرار بمؤسسة تجارية، أو إثارة القلق والبلبلة بين الناس. ومع إعادة تداوله، تتسع دائرة الضرر، وقد يصدقه أشخاص اعتماداً على كثرة انتشاره أو ثقتهم بالحساب الذي نشره، دون أن يعرفوا مصدره أو الدافع وراء ترويجه. وهكذا يتحول منشور مدفوع إلى وسيلة للإضرار بالآخرين، وتتراجع ثقة الجمهور بالمعلومات المتداولة وبالحسابات التي تنشرها.
ومن هنا تبدأ مسؤولية المستخدم بالتحقق من مصدر الخبر قبل نشره أو إعادة تداوله؛ فعدد المشاركات والتعليقات لا يثبت صحته، وانتشاره الواسع لا يمنحه المصداقية. كما ينبغي الحذر من العروض التي تشترط ترويج محتوى مشكوك في مشروعيته مقابل المال أو غيره من المنافع، وعدم افتراض أن إعادة النشر تعفي صاحب الحساب من المسؤولية متى توافرت في فعله أركان الجريمة وشروطها القانونية.
إن حماية المجتمع من التضليل مسؤولية مشتركة، يتحمل فيها الناشر مسؤولية ما يروّج له، ويتحمل المتلقي مسؤولية التثبت قبل المساهمة في انتشاره. فالمكسب الذي يتحقق من ترويج خبر زائف أو محتوى غير قانوني قد يكون عابراً، لكن الضرر الذي يلحق بسمعة إنسان أو بمصلحة مؤسسة أو بثقة المجتمع قد يمتد أثره طويلاً.
فحين يُستغل النشر لتحقيق منفعة من وراء محتوى غير قانوني أو أخبار زائفة، تنتقل المسألة من مجرد تداول رقمي إلى مساءلة جزائية تحكمها أحكام القانون؛ فلا قيمة لمكسب يتحقق على حساب الحقيقة، ولا تُعفي الشاشة صاحب الفعل من المسؤولية متى توافرت أركانها القانونية.












































