اخبار تونس
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٧ شباط ٢٠٢٦
المدير العام لوكالة التحكم في الطاقة في حوار لـ'اندبندنت عربية': بلادنا الثانية في أفريقيا بمؤشر الانتقال الطاقي
'تحتل تونس المرتبة 20 عالمياً ضمن قائمة 140 دولة من جهة النجاعة الطاقية بحسب ترتيب تقرير البنك الدولي في 2025 المهتم بمؤشرات الطاقة المستدامة، وهو ترتيب يتجاوز عدداً كبيراً من البلدان الأوروبية'، وفق ما ورد على لسان المدير العام للوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة في تونس (عمومية) نافع البكاري في حوار لـ'اندبندنت عربية'، وأضاف 'أن تونس وردت في المرتبة الثانية أفريقياً بعد نيجيريا و62 عالمياً لمؤشر الانتقال الطاقي في ترتيب المنتدى الاقتصادي الذي ضم 115 بلداً، وهو ثمرة تأسيس الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة منذ 40 عاماً، وهي مؤسسة عمومية ذات صبغة غير إدارية ولا تجارية، وعملت منذ بعثها على تطوير القوانين من طريق تقديم مقترحات في هذا الشأن بهدف التناغم مع المستجدات العالمية على غرار البصمة الكربونية والحد من انبعاثات الغاز الدفيئة'.
وأوضح أن لتونس أهدافاً طموحة في هذا الصدد، فهي تسعى إلى تخفيض مؤشر الكربون بـ62 في المئة في 2035، وإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة بنسبة 35 في المئة في 2030 و50 في المئة بحلول 2035.
وتابع البكاري 'تسير تونس في نسق جيد باحتساب المساهمة الوطنية المحددة من انبعاث الغازات الدفيئة، مما دفع إلى الرفع من التزاماتها بتخفيض الانبعاثات من 45 في المئة عام 2030 إلى 62 في المئة عام 2035، وهي نتيجة المؤشرات المتطورة المسجلة للنجاعة الطاقية وتطوير الطاقات المتجددة، لأن الانبعاثات ترتكز على انبعاثات الطاقة بنسبة 70 في المئة، ويجري التعامل مع هذا المؤشر من طريق تخفيضها باعتماد الطاقات البديلة. ووضعت تونس استراتيجية للانتقال الطاقي تهدف إلى تغطية استخراج الكهرباء بنسبة 35 في المئة من الطاقات الخضراء عام 2030 وتقليص استهلاك الطاقة بنسبة 30 في المئة'.
ويأتي قطاعا النقل والبناءات على رأس قائمة كبار المستهلكين للطاقة بـ35 في المئة لقطاع النقل و35 في المئة للبناءات، ويجري التدخل لتقليص استهلاك البناءات من طريق العزل الحراري والإضاءة المقتصدة، إضافة إلى مشاريع خاصة بالإنتاج الذاتي للكهرباء التي شملت المؤسسات والأسر على حد السواء، بحسب البكاري.
وتنتج حالياً 200 مؤسسة تونسية الكهرباء ذاتياً من الطاقة النظيفة من طريق تركيز محطات فولتوضوئية لإنتاج الكهرباء لاستهلاكها الذاتي، وفق البكاري، مشيراً إلى أن وكالة التحكم في الطاقة وضعت مشروع 'بروسول إلك' الذي يمثل أحد أهم القصص الناجحة في الانتقال الطاقي إقليمياً، مجموعة من الحوافز للإنتاج الذاتي للكهرباء لدى الأسر التونسية.
ويشير البكاري إلى أن عام 2010 شهد انطلاقة المشروع بتدخل مالي مبتكر يتمتع من خلاله كل مواطن بمنحة من صندوق الانتقال الطاقي (عمومي)، وقرض ميسر بضمان من الشركة التونسية للكهرباء والغاز (عمومية) على مدى سبعة أعوام بفوائد ميسرة لا تزيد على الفائدة الرئيسة زائد 1.75 في المئة.
ومكن المشروع من تجهيز 150 ألف مسكن ذات استهلاك جهد منخفض للكهرباء يفوق 150 كيلوواط ساعة في الشهر بلواقط شمسية لإنتاج الكهرباء، وبناء عليه جرى تركيب محطات إنتاج ذاتي بحجم 400 ميغاواط موزعة على أسطح هذه المنازل، وفق البكاري.
ويوضح البكاري أن نجاح المشروع دفع إلى استنباط مشروع مماثل لفائدة الأسر المنخفضة الاستهلاك بجهد أقل يراوح ما بين 150 و100 كيلوواط ساعة، وهو مشروع 'بروسول إلك' الاقتصادي، الذي تتمتع فيه الأسر المستفيدة بتسهيلات مالية استثنائية متمثلة في منحة من صندوق الانتقال الطاقي وقرض بفائدة منخفضة لا تزيد على ثلاثة في المئة يسدد على مدى 10 أعوام.
لم تتوقف مشاريع 'بروسول إلك' عند الأسر ذات الاستهلاك المنخفض وتجاوزتها إلى الشرائح الاجتماعية الهشة التي تدعم الدولة فاتورة الكهرباء لديها بنسبة 80 في المئة ولا يزيد استهلاكها على 100 كيلوواط ساعة، بحسب المتحدث.
وفي حديثه عن انتظام وكالة التحكم في الطاقة في مرافقة المؤسسات التونسية المصدرة للاستجابة لمعايير الاتحاد الأوروبي للبصمة الكربونية، قال البكاري، 'عمدت الوكالة في هذا الصدد إلى التكوين والمرافقة التقنية والمالية لـ100 مؤسسة تونسية عمومية وخاصة، بالتعاون مع صندوق الانتقال الطاقي، وذلك من طريق دعمها بالدراسات التي يتكفل الصندوق بـ70 في المئة من كلفتها.'
وعمدت تونس إلى تأسيس الصندوق الوطني للتحكم في الطاقة عام 2006 ليتطور إلى صندوق الانتقال الطاقي عام 2017 بعدما اقتصر في السابق على النجاعة الطاقية وبعض مشاريع الطاقات المتجددة، ليتكفل اليوم بالحد من الانبعاثات والنجاعة الطاقية والطاقات المتجددة، وتصل موارد الصندوق إلى 100 مليون دينار (35.33 مليون دولار)، يجري اعتماد 40 مليون دينار (14.13 مليون دولار) منها سنوياً، وتتكون موارده من أداءات استهلاك الكهرباء وتشخيص المحركات، بحسب إفادة البكاري.
ويشير إلى أن العمل على تطويره يشمل التدخل بخاصة في مقاومة البصمة الكربونية، ولوحظ في هذا الصدد إقبال كبير على طلب المرافقة التقنية والمالية من قبل المؤسسات التونسية بحكم اقتراب العمل بالمعايير الجديدة للبصمة الكربونية، وهي الضريبة على الكربون taxe carbone من قبل الموردين الأوروبيين، وذلك أواخر العام الحالي، لافتاً إلى استقطاب القطاع الصناعي تمويلات دولية في إطار إزالة البصمة الكربونية باعتباره أكثر القطاعات تلويثاً.
وعن التشجيعات المقدمة من قبل الدولة التونسية للمؤسسات لتمكينها من اقتحام المنافسة في مجال تصنيع اللواقط الفولتوضوئية، أكد البكاري أن قانون المالية لسنة 2025 فرض أداءات جمركية بنسبة 30 في المئة على اللواقط الموردة من خارج البلدان الشريكة لتونس تجارياً، وتشتغل ثلاث مؤسسات تونسية مصنعة في هذا الصنف على أمل الرفع من عددها في المستقبل.
وأردف قائلاً 'أما الشركات المجهزة المتخصصة في تركيب اللواقط فهي تخضع لتأهيل من قبل الوكالة، منها التكوين لدى مراكز التدريب المتخصصة، وهي 60 مركزاً لتدريب الإطارات المشتغلة في تركيب وصيانة محطات الطاقة الشمسية، وهي مراقبة من قبل الوكالة، كذلك تخضع مكاتب الدراسات المتخصصة في إنتاج الكهرباء لمراقبة الوكالة والحصول على تأهيل من قبلها حتى تتمكن من امتيازات ممنوحة من قبل صندوق الانتقال الطاقي.'
عن التدخل لتسهيل الانتقال الطاقي في قطاع النقل قال المدير العام لوكالة التحكم في الطاقة إن تونس سنت النصوص القانونية اللازمة والإجراءات الضريبية والجمركية الضرورية، ووفرت التشجيعات لاقتناء المركبات الكهربائية بأنواعها من سيارات وحافلات من طريق حذف الأداءات الجمركية عند توريد السيارات والحافلات الكهربائية، علاوة على تخفيض أداءات الاستهلاك بنسبة 50 في المئة، وأداءات الجولان بنسبة 50 في المئة، والأداء على القيمة المضافة لتستقر عند سبعة في المئة مقارنة بـ19 في المئة المعمول بها، كذلك تخضع السيارات الهجينة إلى الامتيازات نفسها، وزاد قائلاً 'تتمتع محطات الشحن الكهربائي بإعفاءات جمركية وتخفيض على الأداءات على القيمة المضافة التي لا تزيد على سبعة في المئة، وتبلغ نقاط الشحن حالياً 200 نقطة، وينتظر تركيز 60 نقطة جديدة عام 2026، إضافة إلى مبادرات برامج نموذجية تتمثل في توفير منح خاصة للتشجيع على اقتناء السيارات الكهربائية من قبل أصحاب سيارات الأجرة ومدارس تعليم السياقة، تتمثل في منح يوفرها صندوق الانتقال الطاقي حجمها 10 آلاف دينار (3.53 ألف دولار) على أن يتم تعميمه في المستقبل.'
وتحدث البكاري عن تضمن قانون المالية لسنة 2026 تخفيضاً في فوائد قروض اقتناء المركبات الكهربائية لدى النقل العمومي وسيارات الأجرة وسيارات تعليم السياقة، ونص على تخفيض في الفائدة بتحمل صندوق الانتقال الطاقي لنسبة ثلاثة في المئة منها، وتسير هذه الإجراءات نحو كهربة الاستعمالات في قطاع النقل باعتباره قطاعاً ملوثاً وجذبه إلى اعتماد الطاقات النظيفة.
وفي ما يتعلق بقطاع البناءات قال البكاري، 'إن الوكالة تدعم التحول الطاقي لمقرات المؤسسات العمومية والخاصة، وتحرص على تحول المؤسسات العمومية إلى مثال يحتذى لدى الجميع بحكم ارتفاع استهلاك الطاقة لديها والعجز المالي الذي تعانيه، وقد خصص في هذا الإطار مشروع نجاعة الطاقة الذي يشمل الإضاءة الاقتصادية والمكيفات الأقل استهلاكاً، إضافة إلى مشاريع الإنتاج الذاتي للطاقة والعزل الحراري'.
بلغت المؤسسات المنتفعة من هذا المشروع 400 مؤسسة عمومية منذ عام 2022، منها 370 مؤسسة ركزت مشاريع إنتاج ذاتي للكهرباء من الطاقات المتجددة، وينتظر أن تبلغ القدرة الإجمالية لمحطات إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية الفولتوضوئية بهذه البناءات 40 ميغاواط أواخر عام 2026، وهو مشروع نموذجي موجه إلى جميع المؤسسات العمومية ينتفع بتمويلات دولية على غرار الصندوق الأخضر للمناخ والبنك الألماني للتنمية والبنك الأوروبي للتنمية والوكالة الفرنسية للتنمية، وفق المسؤول.
وفي الاتجاه نفسه ولتحقيق النجاعة الطاقية، يكشف البكاري عن تخصيص مشروع النجاعة الطاقية للمدن الذي يركز على الإضاءة الاقتصاديةLED وجرى الانتهاء بالكامل من إنجاز مشروع نموذجي في جزيرة جربة (الجنوب الشرقي)، ويجرى حالياً إنجاز مشروع مماثل بالقيروان في انتظار تعميمه على كامل التراب التونسي، علماً أن تونس تشمل 600 ألف نقطة ضوئية سيتم تحويلها إلى إنارة اقتصادية.
وبخصوص تثمين الفضلات المنزلية واستخراج الطاقة منها، كشف البكاري عن مشاريع نموذجية في هذا الإطار بالتعاون مع منظمات دولية مثل برنامج الأمم المتحدة للتنمية وتمويلات برامج دولية في انتظار تعميمها، وجرى الانطلاق في إنجاز محطة جربة لتثمين الفضلات وتحويلها واستخراج الطاقة منها.
في إطار البحث عن سبل استغلال الإطار التشريعي الحالي للتمويل التشاركي من أجل دفع مسار الانتقال الطاقي عبر إنجاز مشاريع عملية في الطاقات المتجددة في تونس، أوضح البكاري، 'إن دراسة أنجزتها الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة عام 2025 أظهرت وجود إمكانات كبيرة يتيحها التمويل التشاركي لتحقيق قفزة نوعية في المجال الطاقي، بتحفيز المواطن على الاستثمار في الانتقال الطاقي من مكانه، والإسهام في المجهود الوطني، مما يفتح آفاقاً جديدة أمام السلطات المحلية عبر توفير آليات تمويل مبتكرة تساعدها على إنجاز مشاريع مربحة ومستدامة في مجال الطاقة'.
وفي ذلك لفت إلى وضع مخطط وطني، وبعث هيئة وطنية تشرف على مشاريع التمويل التشاركي في المجال الطاقي، بمشاركة وكالات عمومية والبنك المركزي التونسي، والهدف إرساء منظومة تمويل تشاركي تكون متاحة للمواطنين، والسلطات المحلية، والمؤسسات العمومية والخاصة، وتمكن من إتاحة تمويلات لمشاريع الطاقة المتجددة في الجهات، مما يمكن من تعزيز الإنتاج المحلي للكهرباء وتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية الطاقية.
وختم البكاري بالكشف عن احتضان تونس المرحلة التأسيسية للجمعية الأفريقية للطاقة، معتبراً إياها اعترافاً أفريقيا بريادة تونس في مجال النجاعة الطاقية والانتقال الطاقي، باعتبار تونس من البلدان الأولى في العالم الباعثة لوكالة متخصصة في التحكم في الطاقة ثم النهوض بالطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية، والأولى في أفريقيا في هذا الصدد.
وتزامناً مع احتفال الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة بعيد ميلادها الـ40، يجرى حالياً تأسيس الجمعية الأفريقية للطاقة وتضم ستة بلدان أفريقية في انتظار انضمام جميع البلدان الأفريقية الناسخة لتجربة الوكالة التونسية للتحكم في الطاقة، والجمعية الأفريقية للطاقة هي مرادفة للوكالة المتوسطية للطاقة، وينتظر أن تحتضن تونس مقرها بحكم أنها البلد المؤسس ورغبة من البلدان الأعضاء في الانتفاع بالتجربة والخبرات التونسية في مجال النجاعة الطاقية والانتقال الطاقي والتحكم في الطاقة، وهو اعتراف ضمني بريادة تونس الأفريقية في هذا المجال، وفق ما يضيف.

























