اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٧ تموز ٢٠٢٦
خالد بن علي المطرفي
دمّر الحوثي اليمن بعدما انقلب على دولته، وحوّل اقتصادها إلى وقود للحرب، وعزل البلاد حين ربط قرارها بطهران، لكنه في الوقت نفسه يؤسس لنهاية مشروعه؛ لأن اليمن، مهما طال اختطافه، أكبر من أن يُختزل في ميليشيا، وهويته أعمق من أن تُختطف بمشروع سلالي، ومستقبله يُبنى بإرادة اليمنيين ومؤسسات دولتهم وسيادتهم الوطنية..
بعد أكثر من عقد على انقلاب ميليشيا الحوثي على الدولة اليمنية، أصبحت الأزمة بحاجة إلى تشخيص سياسي صريح يحدد أصلها، فالسلام لا يتحقق بمنح الميليشيا غطاءً سياسيًا يشرعن ما فرضته بقوة السلاح، وإنما يبدأ باستعادة الدولة، وحماية سيادة اليمن، وإنهاء الاقتصاد الموازي الذي موّل الحرب وأفقر المجتمع، وإعادة القرار السياسي والعسكري إلى مؤسسات وطنية تمثل جميع اليمنيين.
لقد أثبتت سنوات الصراع أن المشكلة ليست في غياب فرص السلام، وإنما في وجود مشروع مسلح لا يرى في السلام نهاية للحرب، بل فرصة لإعادة ترتيب صفوفه، وتثبيت مكاسبه، وانتزاع اعتراف سياسي بسلطة لم يمنحها الشعب شرعيتها، ولهذا تعثرت المبادرات كلما اقتربت من جوهر الأزمة؛ لأن الحوثي يريد سلامًا يبقي السلاح في يده، والدولة تحت قبضته، والقرار اليمني مرتبطًا بالمشروع الإيراني، بينما لا يمكن لأي دولة أن تستقر في ظل وجود سلطة شرعية منزوعة القوة، وميليشيا تحتكر السلاح والمال والقرار.
قرار مجلس الأمن رقم 2216 وضع منذ عام 2015 الإطار الأساسي لمعالجة الأزمة، حين طالب الميليشيا بالانسحاب من مؤسسات الدولة، والتخلي عن الأسلحة التي استولت عليها، والامتناع عن ممارسة أي صلاحيات تقع ضمن اختصاص الحكومة الشرعية، والمفارقة أن ما طالب به المجتمع الدولي آنذاك لا يزال يمثل المدخل الحقيقي للسلام اليوم؛ لأن السنوات التي مضت كشفت خطورة تأجيل مواجهة المشكلة.
من يعتقد أن الحوثي استولى على صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرته فقط، فهو مخطئ في تقديراته، حيث فعلت الميليشيا ما هو أكبر من ذلك، عبر تفكيكها لمفهوم الدولة من الداخل، فأحلت الولاء العقائدي محل المواطنة، والسلالة محل الكفاءة، والجباية محل الاقتصاد، والتعبئة العسكرية محل التعليم، وحوّلت مؤسسات المجتمع إلى أدوات لضبط السكان وتمويل الحرب، وبذلك أصبح الانقلاب مشروعًا لإعادة تشكيل اليمن سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا وفق نموذج لا يشبه تاريخ اليمنيين ولا يعبر عن تنوعهم.
لم تكن نتائج هذا المشروع بحاجة إلى خطاب سياسي لإثباتها؛ فالأرقام تكشف عمق الكارثة، فالبنك الدولي يشير إلى أن نصيب الفرد الحقيقي من الناتج المحلي الإجمالي في اليمن انخفض بنحو 58 % منذ عام 2015، وأن الاقتصاد انكمش مجددًا خلال عام 2025، كما يربط البنك استمرار التدهور بتعطل صادرات النفط، والانقسام المؤسسي، وتدهور بيئة الأعمال، وضعف قدرة الحكومة على تمويل الرواتب والخدمات الأساسية، وهذه نتيجة مباشرة لتحويل الاقتصاد إلى ساحة صراع، واستهداف موانئ تصدير النفط، وتقويض سلطة البنك المركزي، وتجزئة النظام النقدي والمالي.
عندما تمنع الميليشيا الدولة من تصدير مواردها، فهي لا تحاصر الحكومة، وإنما تحاصر راتب الموظف، وكهرباء المستشفى، ودواء المريض، وغذاء الأسرة اليمنية، وحين تحتجز العاملين في المنظمات الدولية وتفرض القيود على العمل الإنساني، فإنها تغلق أبواب المساعدة أمام مجتمع أنهكته الحرب، في وقت يعاني فيه ملايين اليمنيين انعدام الأمن الغذائي وتراجع الخدمات الصحية والتعليمية.
أما ارتباط الحوثي بإيران، فلم يعد اتهامًا سياسيًا يحتمل التأويل، فقد خلص فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن في تقريره الصادر عام 2025 إلى أن إيران تواصل بلا شك تقديم الدعم للميليشيا، وهذا الدعم يضع سقفًا سياسيًا لمشروع الحوثيين ويكشف وظيفته؛ فكلما ارتفعت قدراته العسكرية، تعمق ارتهانه للخارج، وكلما وسّع نطاق عملياته الإقليمية، ابتعد عن قضايا اليمنيين وتحول إلى أداة في شبكة صراع تديرها طهران وفق حساباتها ومصالحها.
لقد استخدمت إيران الحوثي ليكون ذراعًا متقدمة على البحر الأحمر وباب المندب، ومنصة تهديد للملاحة الدولية، وورقة ضغط في التفاوض مع القوى الكبرى، وعندما هاجمت الميليشيا السفن التجارية وعطلت أحد أهم الممرات البحرية في العالم، فإنها زجت اليمن، في مواجهات تتجاوز قدرته ومصلحته، وتحول موانئه وبنيته التحتية ومقدرات شعبه إلى أهداف ضمن صراعات لم يقررها اليمنيون، وهنا تتشكل المفارقة التي تؤسس لنهاية المشروع؛ فالسلاح قد يتمكن من احتلال مدينة، لكنه لا يستطيع بناء دولة، أو اقتصاد قادر على توفير الوظائف والخدمات والحياة الكريمة، وفي التاريخ السياسي، تسقط المشروعات المسلحة حين تفشل في التحول إلى عقد اجتماعي تقبله الشعوب، وعندما تصبح كلفة بقائها على المجتمع أكبر من قدرتها على إخضاعه.
الحوثي اليوم محاصر بتناقضاته؛ يدّعي الدفاع عن السيادة وهو يرتبط بمشروع عابر للحدود، ويتحدث باسم اليمن بينما يقسم المجتمع على أساس سلالي، ويرفع شعارات نصرة الشعوب بينما يجوّع اليمنيين، ويزعم مواجهة الخارج في الوقت الذي يحتجز فيه موظفي الإغاثة ويمنع المساعدات عن الداخل، وهذه التناقضات عوامل تآكل طويلة المدى تجعل المشروع عاجزًا عن إنتاج الاستقرار.
نهاية المشروع الحوثي لن تتحقق بالانتظار أو بالتعويل على تناقضاته وحدها، وإنما تحتاج إلى رؤية يمنية ودولية واضحة تعيد ترتيب الأولويات، ويجب أن تكون البداية بتوحيد المؤسسات الوطنية اليمنية، ودعم قدرتها الاقتصادية والإدارية، وحماية البنك المركزي وموارد الدولة، وتطبيق العقوبات الدولية بفاعلية، وبناء جبهة سياسية يمنية تتجاوز الخلافات الثانوية أمام الخطر الرئيس، كما يجب أن ينتقل الخطاب الدولي من البحث عن تهدئة مؤقتة إلى بناء سلام مؤسسي مستدام؛ ينهي أسباب الحرب، والتسوية التي لا تعالج السلاح خارج الدولة، ولا تستعيد المؤسسات، ولا توحد القرار الاقتصادي والعسكري، قد تؤجل المواجهة لكنها لن تمنع عودتها. بل ستمنح الميليشيا الوقت والموارد لتبدأ دورة جديدة من العنف بشروط أكثر خطورة.
نعم، لقد دمّر الحوثي اليمن بعدما انقلب على دولته، وحوّل اقتصادها إلى وقود للحرب، وعزل البلاد حين ربط قرارها بطهران، لكنه في الوقت نفسه يؤسس لنهاية مشروعه؛ لأن اليمن، مهما طال اختطافه، أكبر من أن يُختزل في ميليشيا، وهويته أعمق من أن تُختطف بمشروع سلالي، ومستقبله يُبنى بإرادة اليمنيين ومؤسسات دولتهم وسيادتهم الوطنية.. دمتم بخير.










































