اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٩ أيار ٢٠٢٦
د. محمد المسعودي
في خضم هذا التشابك العجيب الذي ينمو بين الانتباه المصنوع والواقع القابل للتزييف، تتجه البوصلة نحو مسؤولية مؤسسية بين وزارتي الإعلام والتعليم تتجاوز الاستجابة الظرفية إلى بناء وعي طويل الأمد، وضرورة حتميّة عاجلة نحو إدماج التربية الإعلامية في صلب المناهج الدراسية..
في الفضاء الرقمي الذي تتكاثر فيه الصور وتتداخل فيه الأصوات، يتغير موقع الحقيقة داخل الوعي الجمعي على نحو متدرج وصامت. الرؤية تتحول إلى تجربة مركبة، تمر عبر طبقات تقنية تعيد ترتيب ما يظهر وما يغيب، وذلك هو الانتباه الذي يتحرك كقيمة خفية، يتوزع داخل تدفقات المحتوى، ويخضع لإيقاعات متكررة تُعيد تشكيل العادات اليومية دون إعلان مباشر أو ضجيج ظاهر!
'اقتصاد الانتباه' مفهوم يصف تحويل الانتباه البشري إلى مورد اقتصادي قابل للقياس والاستثمار داخل المنصات الرقمية والإعلانات والخوارزميات، طرحه مبكرًا Herbert Simon ثم توسع بقوة مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الذكية، حيث يقوم باختصار على فكرة أن وفرة المعلومات تخلق ندرة في التركيز.
كما يرسم اقتصاد الانتباه أيضًا، المشهد عبر سلاسل متلاحقة من الرسائل، تتفاوت في كثافتها ووتيرتها، وتستقر في مسارات تفاعل سريعة، وذلك ما تطرقت له دراسات منشورة في مجلة Science، التي ترصد حضورًا واسعًا للأخبار المضللة داخل الشبكات الرقمية، مع امتداد ملحوظ في دوائر التداول. هذا الحضور من يخلق حالة من التشبع الإدراكي، تتقارب فيها لحظة التلقي مع لحظة التفاعل، وتتشابك الإشارات بين ما يبدو واقعيًا وما يُصاغ بوصفه سردًا متماسكًا.
وفي هذا السياق، يتقدم التزييف العميق كتحول في طبيعة الصورة ذاتها. الصورة لم تعد مجرد انعكاس للحظة، بل كيانا قابلا لإعادة التكوين، يحمل تفاصيل دقيقة، ويستقر في الذاكرة بسهولة. دراسات حديثة في الإعلام الرقمي توثق تزايد حضور المقاطع المصطنعة، مع تكرار ظهورها في بيئات متعددة، ما يمنحها قابلية للاندماج داخل الإدراك العام دون مقاومة فورية.
كما أن 'الوعي الإعلامي' يتحرك كأداة تنظيم داخلية، تضبط إيقاع التلقي، وتفتح مساحة للفحص والمراجعة. أبحاث منشورة في المجلة العلمية Nature -واحدة من أشهر وأهم المجلات العلمية المحكمة في العالم- تسجل أنماطًا مختلفة في سلوك المستخدمين عند استحضار معيار الدقة، حيث يظهر التمهل في التفاعل، وتتراجع وتيرة إعادة النشر. هذا النمط يعيد ترتيب العلاقة بين الفرد والمحتوى، ويمنح الانتباه طابعًا أكثر حضورًا ووعيًا.
وتضيف 'التربية الإعلامية' امتدادًا مؤسسيًا لهذا الوعي، إذ يتشكّل عبر التعليم والتدريب المستمر، وهذا ما أبرزته تقارير اليونسكو بأهمية إدماجها ضمن المناهج، مع تركيز على تحليل الرسائل الإعلامية وفهم بنيتها؛ ليثبت أن هذا التوجه يتقاطع مع التحولات الرقمية المتسارعة، خاصة في ظل توسع أدوات الذكاء التوليدي، التي تضاعف إنتاج المحتوى وتكثف حضوره في المجال العام.
أما في البعد الاجتماعي، فتتشكل أنماط تداول المحتوى عبر شبكات مترابطة، تنتقل فيها الرسائل بسرعة، وتكتسب مع كل انتقال حضورًا إضافيًا. تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تشير إلى أهمية تنمية مهارات التفكير النقدي ضمن هذا السياق، حيث يتخذ المستخدم موقعًا أكثر وعيًا داخل الشبكة، ويتعامل مع المحتوى بوصفه مادة قابلة للفحص، لا مجرد مادة قابلة للنقل.
وفي السياق المؤسسي، تتقدم الحاجة إلى خطاب إعلامي أكثر تماسكًا، يستوعب طبيعة البيئة الرقمية، فعلى سبيل المثال يضع تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2024، التضليل ضمن أبرز التحديات العالمية الإعلامية، في مشهد يتسم بتراجع الثقة وتزايد التعقيد، ويثبت أن المؤسسات التي تطور أدوات التحليل الإعلامي الداخلي تحافظ على حضور أكثر اتساقًا، وتقدم روايات متماسكة في لحظات الضغط.
في خضم هذا التشابك العجيب الذي ينمو بين الانتباه المصنوع والواقع القابل للتزييف، تتجه البوصلة نحو مسؤولية مؤسسية تتجاوز الاستجابة الظرفية إلى بناء وعي طويل الأمد. إن الرسالة الموجهة إلى وزارة الإعلام ووزارة التعليم تتمحور حول ضرورة حتمية نحو إدماج التربية الإعلامية في صلب المناهج الدراسية، لأنها استثمارٌ حقيقي في الأمن المعرفي والاجتماعي، فالأجيال التي تنشأ داخل بيئة رقمية كثيفة تحتاج إلى أدوات تفكيك، وليس إلى محتوى إضافي، وإلى مهارات قراءة الصورة والصوت والسياق، بقدر حاجتها إلى القراءة والكتابة التقليدية.
ختامًا؛ إن بناء مواطن رقمي قادر على التمييز، والتحقق، والمساءلة، يشكل خط الدفاع الأول أمام موجات اقتصاد الانتباه والتزييف العميق، ويعيد التوازن بين الإنسان والتقنية. من هنا، يصبح دمج التربية الإعلامية خيارًا استراتيجيًا يرسخ وعيًا جمعيًا يحمي الحقيقة من التآكل، ويمنح الانتباه قيمته كفعل سيادي في زمن تتنازع فيه الخوارزميات على تشكيل الإدراك وأكثر.










































